استقبلت محافظة تعز جنوبي اليمن خلال سبتمبر الجاري أكثر من 83 ألف نازح، يمثلون ما يزيد على 11 ألف أسرة، في موجة نزوح جديدة ضاعفت الضغوط على الخدمات العامة والبنية التحتية المتدهورة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية موارد المؤسسات المحلية.
ونقلت المراسلة هديل اليماني عن إدارة مخيمات النازحين أن المحافظة استقبلت هذه الأعداد خلال الشهر الجاري. كما تفيد بيانات الوحدة التنفيذية الحكومية لإدارة مخيمات النازحين بأن أكثر من 11 ألف أسرة، تضم ما يزيد على 83 ألف شخص، وصلت إلى تعز جراء التصعيد العسكري الأخير.
تراجع الخدمات يفاقم أعباء النازحين
ويواجه سكان المحافظة والنازحون إليها نقصا في الخدمات الأساسية، بينما تكافح المؤسسات الخدمية للتعامل مع الأعداد المتزايدة بإمكانات وموازنات محدودة. ويأتي ذلك في ظل بنية تحتية متهالكة لم تتعاف من آثار سنوات الحرب والمواجهات، وحاجة قطاعات أساسية إلى عمليات إعادة تأهيل واسعة.
وقال مسؤول محلي إن موجات النزوح أثرت بصورة كبيرة في موارد المحافظة وقدرتها الاستيعابية. ودعا المنظمات الدولية والإقليمية إلى تدخل عاجل لتلبية احتياجات النازحين، ولا سيما في مجالات الإيواء والغذاء والدواء والتعليم. وتظهر قصة إلهام، وهي نازحة من محافظة عمران شمالي اليمن، جانبا من الظروف الاقتصادية التي تواجهها الأسر الوافدة إلى تعز.
إلهام تواجه غلاء المعيشة بعمل منزلي
فقد اضطرت إلى الفرار مع أسرتها بسبب الحرب قبل خمس سنوات، واتخذت من المدينة ملاذا لها، لكنها لم تتمكن من الحصول على عمل يضمن للأسرة دخلا مستقرا. ورغم حصول إلهام على شهادة جامعية في المختبرات الطبية، فإنها لم تجد مصدر دخل يكفي لتغطية احتياجات أسرتها. وأصبحت المعيلة الوحيدة بعدما توقف ابنها البكر، البالغ من العمر 15 عاما، عن العمل بسبب تراجع مستواه الدراسي.
وتعمل إلهام حاليا في إعداد البخور وبيعه لتوفير الاحتياجات الأساسية، بما فيها الغذاء وإيجار المسكن، وسط ارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة. وتقول إن الحياة في تعز أصبحت صعبة نتيجة نقص المواد الغذائية وتدهور سعر الصرف وأزمات الغاز والمياه، إلى جانب صعوبة تأمين الإيجار الشهري.
المياه والطاقة تضيفان تكاليف جديدة
وفي قطاع المياه، أدى تعطل شبكات التوزيع إلى اعتماد السكان على الصهاريج، التي تفرض عليهم تكاليف مرتفعة. كما يعتمد كثير من السكان على الطاقة الشمسية في ظل انقطاع التيار الكهربائي، ما يضيف أعباء أخرى إلى ظروفهم المعيشية.
وتتفاقم أزمة النازحين بسبب نقص المساكن وارتفاع أسعار الإيجارات وعدم كفاية الشقق والمنازل ومراكز الإيواء. وتضطر أسر إلى تقاسم مساكن ضيقة لا تتناسب مع أعداد قاطنيها، فيما تستمر الحاجة إلى أماكن إضافية لاستقبال الوافدين. وقال ناشط ومسؤول محلي إن بعض الشقق تستقبل ست أو سبع أسر في المكان نفسه.
وأوضح أن هذه الظاهرة بدأت تتراجع بدرجة محدودة، لكنها ما زالت قائمة بسبب ضعف قطاع السكن وارتفاع تكلفته وعدم وجود مساكن أو مراكز إيواء تستوعب أعداد النازحين المتزايدة. ومع استمرار تدفق السكان، تتصاعد الضغوط على السلطة المحلية والمؤسسات الحكومية التي تعمل بموازنات محدودة وإمكانات متواضعة.
الاكتظاظ يضغط على المرافق والخدمات العامة
ويؤدي الاكتظاظ المتزايد إلى تحميل شبكات المياه والطاقة والمرافق التعليمية والصحية أعباء إضافية في وقت تتراجع فيه قدرة الجهات المحلية على توسيع خدماتها. وقال محلل ومسؤول محلي إن المجتمع الدولي ما زال يتعامل مع الملف اليمني باعتباره حالة طارئة، ولذلك تظل معظم التدخلات المقدمة ذات طابع إغاثي مؤقت.
وأضاف أن الهشاشة الأمنية تعوق تنفيذ مشاريع طويلة الأمد، وأن استمرار التقلبات الأمنية والعسكرية والحرب يحول دون بناء مشروعات مستدامة في ظل عدم استقرار الأوضاع.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن سكان تعز والنازحين المقيمين فيها يواجهون مستويات مرتفعة من الفقر، مع تزايد مخاطر الانزلاق إلى الجوع ونقص الغذاء. ويتزامن ذلك مع تغير الواقع الديموغرافي للمدينة وتراجع مستويات الدعم الإنساني، بينما تتزايد الحاجة إلى خدمات ومساكن ومساعدات قادرة على مواكبة الأعداد الجديدة.