عاد مئات الآلاف من الأطفال في قطاع غزة، يوم السبت، إلى الدراسة الحضورية للمرة الأولى منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، مع انطلاق العام الدراسي 2026-2027 في مدارس ومراكز تعليمية مؤقتة أقيم بعضها داخل خيام ومبانٍ معدنية وخشبية. وجاءت العودة وسط أضرار واسعة لحقت بالبنية التعليمية، ونقص في المستلزمات الأساسية، وارتفاع حاد في أسعار القرطاسية.
وتتوقع الجهات التعليمية التحاق ما لا يقل عن 540 ألف طالب بالتعليم الحضوري خلال العام الحالي، سواء داخل المدارس المتاحة أو المراكز والمواقع المؤقتة. وفي المقابل، يستمر التعليم عبر الإنترنت للأطفال الذين يتعذر عليهم الوصول إلى الفصول الدراسية، وكذلك للطلاب الذين غادروا القطاع خلال الحرب.
تشغيل مواقع تعليمية مؤقتة للأطفال
وبدأت وزارة التعليم، بدعم من منظمات دولية ومحلية، تشغيل عشرات المواقع المؤقتة بهدف إعادة الأطفال إلى التعليم. ولا تتجاوز تجهيزات بعض الفصول مراتب يجلس عليها التلاميذ وسبورة، في حين أقيمت فصول أخرى على أرض رملية أو داخل مبانٍ مؤقتة، بينما لا تزال مدارس تستخدم مراكز إيواء لعائلات نازحة.
وقال إبراهيم رمضان، مدير التربية والتعليم في شرق خان يونس، إن إعادة فتح المدارس تمثل محطة فارقة بعد سنوات من توقف الدراسة الحضورية المنتظمة. وأوضح أن الصراع أودى بحياة نحو 22 ألف طالب وطالبة، وأكثر من 770 من العاملين في قطاع التعليم، بينهم 532 معلماً ومعلمة. وتظهر شهادات الطلاب مزيجاً من الفرح بالعودة إلى الدراسة والصعوبات التي تحيط بها.
وقال مؤيد أبو مصطفى، من خان يونس: «آخر فترة مرقت فيها بالمدرسة منذ ثلاث سنوات. والآن بدأ العام الدراسي الجديد. عام من الفرح، عام من السرور، عام من النجاح». لكن أبو مصطفى أشار إلى محدودية الإمكانات داخل موقع الدراسة، قائلاً: «رغم أن إحنا نقرأ في خيم، ولا تهوية ولا أي شيء ولا مقاعد، على الفرش بنقعد...
مفيش ولا دفاتر ولا أقلام.. رغم هيك هنقرأ، وهنقرأ في خيمة». وتعكس شهادته واقع عدد من المواقع التي فتحت أبوابها رغم افتقارها إلى المقاعد والتجهيزات المدرسية المعتادة. وعادت الطالبة النازحة سمر أبو سلمي، البالغة 15 عاماً، إلى الفصل بعد فترة كانت تتابع فيها دروسها عبر الهاتف.
وقالت: «قبل الحرب كنا ندرس والحين بدنا نحقق حلمنا»، موضحة أن أسرتها لم تعد قادرة على تحمل تكاليف الدفاتر والأقلام والملابس وغيرها من الاحتياجات التي كانت متاحة قبل الحرب. ولا تقتصر التحديات على نقص التجهيزات، إذ تحدث طلاب عن مخاوف أمنية ترافق ذهابهم إلى أماكن الدراسة.
وقال يامن أبو سمرة، البالغ 14 عاماً: «قبل الحرب كنا نصحى مبسوطين نروح على المدرسة... الحين نيجي على المدرسة نكون خايفين من الطلق الطايش، من الصاروخ، من القذائف». وأضاف أبو سمرة أن الفصل الذي يدرس فيه يفتقر إلى الكهرباء ومولدات الطاقة والألواح الشمسية، واصفاً الظروف داخله بالقول: «مفيش فيها ولا إشي، مفيش فيها غير الشمس والشوب».
مخاطر الأنقاض تعرقل وصول الطلاب
ويضطر الطلاب، في ظل هذه الظروف، إلى متابعة الحصص داخل مواقع لا تتوافر فيها وسائل التهوية أو مصادر الطاقة. وتزيد كميات الأنقاض المنتشرة في أنحاء القطاع صعوبة الوصول إلى أماكن التعليم. وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» إلى وجود نحو 60 مليون طن من الركام في غزة، مع احتمال احتواء بعض المناطق على مخلفات متفجرة، ما يضيف مخاطر إلى الطرق التي يسلكها الأطفال للوصول إلى مدارسهم ومراكزهم المؤقتة.
وإلى جانب تضرر المباني والمخاوف المرتبطة بالطريق إلى المدرسة، تواجه الأسر ارتفاعاً كبيراً في تكلفة اللوازم الدراسية، بعدما أضعفت الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل قدرتها على توفير الاحتياجات الأساسية لأطفالها.
ارتفاع أسعار القرطاسية يثقل الأسر
كما أدى نقص الإمدادات إلى زيادة أسعار الدفاتر والأقلام وغيرها من أصناف القرطاسية. وقال خالد عليان، وهو تاجر أدوات مكتبية يبلغ 30 عاماً، إن القيود المفروضة على الاستيراد تسببت في نقص المعروض وارتفاع الأسعار. وأضاف: «الدفتر هذا حقه ثلاثة شيقل، اليوم أصبح 15 شيقل. جميع أصناف القرطاسية غالية».
وتفسر هذه الأضرار اعتماد الجهات التعليمية على الخيام والمباني المؤقتة، إلى جانب استمرار التعليم الإلكتروني لمن لا يستطيعون الوصول إلى الفصول. ويبدأ الأطفال عامهم الدراسي الجديد في مواقع تختلف عن المدارس التي عرفوها قبل الحرب، وسط آثار النزوح وفقدان أصدقاء ومعلمين.
وبين الخيام والمباني المتضررة والركام، تمثل إعادة تشغيل الفصول محاولة لاستعادة انتظام العملية التعليمية، بالتوازي مع إبقاء خيارات التعلم عن بعد متاحة للأطفال الموجودين خارج غزة أو غير القادرين على الوصول إلى مواقع الدراسة.