لم تعد صيانة الهواتف الذكية تقتصر على استبدال شاشة مكسورة أو بطارية مستهلكة، إذ باتت عملية الإصلاح مرتبطة بتصميم الجهاز الداخلي وطريقة تجميع أجزائه. وقد يتطلب الوصول إلى مكون واحد تفكيك طبقات مثبتة بمواد لاصقة، والتعامل مع قطع مدمجة، ثم تنفيذ إجراءات برمجية بعد تركيب القطعة الجديدة، مما يجعل بعض الإصلاحات أكثر تخصصاً وكلفة.
النحافة ومقاومة الماء تعقدان تفكيك الهواتف
ويأتي الاتجاه نحو هواتف أكثر نحافة ومقاومة للماء والغبار ضمن أبرز العوامل التي زادت تعقيد الصيانة. فلتحقيق هذه الخصائص، يعتمد المصنعون على المواد اللاصقة لإحكام تثبيت الشاشة والغطاء الخلفي والبطارية وأجزاء داخلية أخرى، بدلاً من الاقتصار على البراغي والمشابك الميكانيكية التي يمكن فكها وإعادة تركيبها بسهولة أكبر.
وتوضح شركة آي فيكسيت الأميركية، المتخصصة في تقييم قابلية إصلاح الأجهزة، أن الإفراط في استخدام المواد اللاصقة يطيل الوقت اللازم لتفكيك الهاتف وإعادة تجميعه. كما قد يفرض استخدام أدوات إضافية ومواد استهلاكية جديدة لإعادة تثبيت الأجزاء بعد انتهاء الصيانة.
وتعتمد الشركة في تقييماتها على عوامل تشمل سهولة التفكيك وإعادة التجميع، وتوافر أدلة الصيانة وقطع الغيار. ولا يجعل استخدام المواد اللاصقة الهاتف غير قابل للإصلاح بصورة تلقائية، لأن بعض التصميمات تستخدم تقنيات تسهّل تحرير أجزاء محددة.
وتشير آي فيكسيت إلى أن بعض أجهزة آيفون الحديثة تتضمن مادة لاصقة يمكن تحريرها كهربائياً، بما يسهّل عملية استبدال البطارية، رغم استمرار تثبيت مكونات أخرى داخل الأجهزة نفسها باستخدام اللاصق التقليدي. وتُعد البطارية من أكثر أجزاء الهاتف حاجة إلى الاستبدال مع مرور الوقت، غير أن تثبيتها بقوة داخل الهيكل يمكن أن يحوّل تغييرها إلى عملية معقدة.
البطاريات غير القابلة للإزالة ترفع كلفة الإصلاح
وتقول المفوضية الأوروبية إن انتقال صناعة الهواتف خلال العقد الماضي من البطاريات التي يستطيع المستخدم إزالتها إلى البطاريات غير القابلة للإزالة أدى إلى زيادة صعوبة بعض عمليات الإصلاح ورفع كلفتها. وتكشف المقارنة بين تصميمات الأجهزة اختلافاً واضحاً في هذا الجانب.
فبحسب تقييمات آي فيكسيت، يعتمد هاتف فيرفون 6 تصميماً معيارياً يسمح باستبدال البطارية والشاشة من دون استخدام مواد لاصقة. وفي أجهزة أخرى، يتعين أولاً إزالة عدد من المكونات المثبتة باللاصق قبل الوصول إلى البطارية أو إلى الجزء الداخلي المطلوب إصلاحه.
دمج المكونات يصعّب استبدال منافذ الشحن
ولا تقتصر صعوبات الصيانة على طريقة تثبيت البطارية، إذ يؤدي جمع عدة مكونات في وحدة واحدة أو لحامها باللوحة الرئيسية إلى تعقيد استبدال جزء صغير منها. وقد يضطر الفني في بعض الهواتف إلى إزالة الشاشة أو الغطاء الخلفي للوصول إلى منفذ الشحن أو مكون داخلي آخر، وهو ما يزيد عدد خطوات الإصلاح ويرفع احتمال تضرر أجزاء إضافية أثناء التفكيك. وتختلف طريقة تركيب منافذ الشحن أيضاً من هاتف إلى آخر.
فبعض الأجهزة تستخدم منفذاً معيارياً يمكن فصله واستبداله بوصفه وحدة مستقلة، بينما يكون المنفذ في أجهزة أخرى ملحوماً باللوحة الرئيسية. وفي الحالة الثانية، تصبح الصيانة أكثر صعوبة لأنها تتطلب التعامل مع اللوحة نفسها بدلاً من إزالة قطعة منفصلة وتركيب بديل لها.
أدوات البرمجيات تدخل في إجراءات إصلاح الهواتف
ودخلت البرمجيات بدورها في صميم عملية إصلاح الهواتف، فلم تعد الصيانة إجراءً ميكانيكياً فقط. وتوضح آبل أن بعض الإصلاحات تستلزم تشغيل أدوات برمجية بعد تركيب القطعة الجديدة، ومنها «مساعد الإصلاح» أو «تهيئة النظام»، وفقاً لنوع الجهاز وطبيعة الإصلاح. كما توفر الشركة لبعض منتجاتها قطع غيار أصلية وأدوات احترافية وأدلة فنية مخصصة لإجراءات الإصلاح الذاتي.
وتقدم غوغل أدلة لصيانة هواتف بيكسل، إلى جانب قطع غيار أصلية توفرها عبر آي فيكسيت، وأدوات تشخيص يمكن تشغيلها قبل بدء الإصلاح وبعد اكتماله. لكنها توصي بأن يقتصر الإصلاح الذاتي على المستخدمين الذين يمتلكون الخبرة التقنية اللازمة.
وتتيح سامسونغ كذلك برنامجاً للإصلاح الذاتي لبعض أجهزتها، يتضمن قطع غيار أصلية وأدلة للصيانة، ويشمل هواتف من سلسلة غالاكسي. وكلما ارتفع عدد خطوات التفكيك وازدادت الحاجة إلى أدوات متخصصة أو إلى ربط القطعة الجديدة بإجراء برمجي، أصبحت الصيانة أكثر اعتماداً على فنيين مؤهلين. ويمكن أن ترتفع كلفة العملية بحسب نوع العطل ومدى توافر القطعة والخدمة المطلوبة.
وعلى الجانب الآخر، يتيح التصميم المعياري استبدال الجزء المتضرر وحده بدلاً من تغيير مجموعة كاملة من المكونات. وتضع المفوضية الأوروبية توافر قطع الغيار ومعلومات الإصلاح ضمن العناصر الأساسية لإطالة العمر التشغيلي للمنتجات.
ومنذ يونيو/حزيران 2025، بدأ الاتحاد الأوروبي تطبيق متطلبات جديدة على الهواتف والأجهزة اللوحية المباعة داخله، تتناول قابلية الإصلاح وتُلزم بتوفير قطع غيار رئيسية لسنوات بعد توقف بيع الطراز المعني. وتفرض القواعد الأوروبية إتاحة عدد من القطع الأساسية لفترات طويلة، مع اشتراط أن يكون بعضها متاحاً للمستخدمين أنفسهم، وليس فقط لجهات الصيانة المتخصصة.
كما تلزم الشركات بتوفير المعلومات المرتبطة بالإصلاح، وإظهار تقييم لقابلية إصلاح الجهاز على ملصق الطاقة. ووفق المفوضية، تستهدف هذه الإجراءات إطالة عمر الأجهزة وتقليل الحاجة إلى استبدالها في وقت مبكر.
وتبين الفروق بين الهواتف أن قابلية الإصلاح لا ترتبط بعلامة تجارية واحدة، بل تتحدد وفق تصميم كل طراز. فبعض الأجهزة يعتمد على البراغي والأجزاء المعيارية، وتتوفر له قطع الغيار والأدلة الفنية، بينما تستخدم أجهزة أخرى قدراً أكبر من المواد اللاصقة، وتتطلب تفكيكاً أطول وأدوات أو برمجيات متخصصة.
ولا يكشف مظهر الهاتف الخارجي أو درجة نحافته وحدهما مدى سهولة صيانته، إذ تتوقف العملية على طريقة تثبيت الشاشة والبطارية، ومدى فصل المكونات بعضها عن بعض، وإمكان الحصول على قطع الغيار، والأدوات اللازمة لإتمام الإصلاح برمجياً بعد تركيبها.
وبذلك أصبحت قابلية الإصلاح عنصراً مؤثراً في تصميم الأجهزة وإطالة أعمارها، وليست مسألة محصورة في ورش الصيانة.