العودة للرئيسية
تكنولوجيا

الولايات المتحدة توسع الردع الفضائي والصين تسرّع تطوير الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام

أعاد إقرار أميركي بامتلاك أسلحة في الفضاء الجدل بشأن الاستخدام السلمي للمدار والقمر، بالتزامن مع سعي الصين إلى خفض كلفة الإطلاق عبر استعادة الصواريخ. وتكشف الأرقام استمرار تفوق الشركات الأميركية تشغيلياً، بينما يمتد التخطيط العسكري إلى المجال الواقع بين الأرض والقمر وسط مخاوف من قصور الحوكمة الدولية.

•8 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
صورة جماعية لمسؤولين ومشاركين في القمة الدولية للفضاء في باريس، أمام خلفية تحمل اسم القمة. يظهر جمهور ومصورون في مقدمة الصورة.

أعاد إقرار وزير القوات الجوية الأميركية تروي مينك بامتلاك الولايات المتحدة أسلحة في الفضاء ملف عسكرة المدار إلى الواجهة، في وقت تعمل فيه الصين على تسريع تطوير الصواريخ القابلة للاستعادة وإعادة الاستخدام لخفض كلفة الإطلاق. ويتزامن المساران مع توسع التصورات العسكرية الأميركية لتشمل الفضاء القريب من القمر، بما يضع المبادئ التي أرستها معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 أمام اختبار متزايد.

الصحافة الصينية تقرأ الإقرار الأميركي

أثار الإعلان الأميركي اهتماماً واسعاً في الصحافة الصينية، التي قرأته باعتباره تحولاً يتجاوز البعد العسكري المباشر إلى قواعد المنافسة بين القوى الكبرى، وما قد يترتب عليه من إضعاف للتوازن الذي حكم إدارة الأنشطة الفضائية طوال عقود.

ويأتي ذلك بعدما أصبح الفضاء جزءاً من البنية التحتية للاقتصاد الرقمي ومنصة للتفوق التقني والعسكري، وليس مجالاً علمياً منفصلاً عن الاقتصاد والسياسة والأمن. وتزداد صعوبة الفصل بين المسارين المدني والعسكري مع انتشار التقنيات مزدوجة الاستخدام.

فالصواريخ التي تتيح نشر أقمار الإنترنت وخدمات الاتصالات بكلفة أقل يمكن استخدامها أيضاً لإطلاق أقمار الاستشعار والاتصالات العسكرية، بينما تستطيع منصات الملاحة ومراقبة الأرض وإدارة البيانات أداء وظائف مرتبطة بالإنذار المبكر والقيادة والسيطرة في ظروف مختلفة.

معاهدة الفضاء تحدد الاستخدامات السلمية

يقوم النظام القانوني الدولي للفضاء على مبدأ تخصيص استكشافه واستخدامه للأغراض السلمية، مع إبقاء القمر وغيره من الأجرام السماوية بعيداً عن السيادة العسكرية ومنطق الحرب. وجسدت معاهدة الفضاء الخارجي هذا التوجه عبر حظر وضع الأسلحة النووية في المدار، وتقييد نشر أسلحة الدمار الشامل، والتأكيد على الاستخدام السلمي للأجرام السماوية، وتحميل الدول مسؤولية الأضرار التي تتسبب بها أصولها الفضائية.

لكن تقارير صحيفة غلوبال تايمز الصينية اعتبرت أن هذا الإطار يتعرض لضغوط متصاعدة بعد الإقرار الأميركي بوجود أسلحة للسيطرة الفضائية في المدار، إلى جانب اتساع الخطاب العسكري ليشمل المنطقة القريبة من القمر.

وينقل هذا التوسع المنافسة، وفق قراءة الصحيفة، من حماية الأقمار والأصول الموجودة حول الأرض إلى تصور عملياتي أرحب قد يجعل المجال بين الأرض والقمر ساحة محتملة للردع أو الاشتباك. وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن وكالة أسوشيتد برس أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كين دعا القوات الأميركية إلى الاستعداد للقتال والصمود والانتصار «من قاع البحر إلى الفضاء القمري».

الفضاء القمري يدخل حسابات الردع

ويعكس إدخال الفضاء القمري في هذا التصور انتقال التخطيط العسكري إلى نطاق يشمل مسافات وأصولاً ومسارات تتجاوز المدار الأرضي المنخفض. وبالتوازي مع ذلك، تخوض الشركات الصينية سباقاً صناعياً لتطوير صواريخ قابلة للاستعادة وإعادة الاستخدام.

ولم تعد هذه القدرة إنجازاً هندسياً رمزياً فقط، بل أصبحت معياراً اقتصادياً وتقنياً أساسياً في صناعة الإطلاق، نظراً إلى تأثيرها المباشر في عدد الرحلات الممكن تنفيذها وكلفة نقل كل كيلوغرام من الحمولة إلى المدار. ونقلت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست عن شركة لاندسبيس الصينية أن المرحلة الأولى تمثل نحو 70% من تكلفة الصاروخ.

وتتيح استعادة هذه المرحلة وتشغيلها مجدداً توزيع كلفتها على رحلات متعددة، بدلاً من التخلص منها بعد مهمة واحدة، وهو ما يمنح الشركات القادرة على تطبيق إعادة الاستخدام بصورة روتينية أفضلية في الأسعار ووتيرة الإطلاق. وترتبط هذه المعادلة بطبيعة اقتصاد الفضاء الجديد الذي يعتمد على عمليات إطلاق متكررة ومنخفضة الكلفة.

فنشر آلاف الأقمار الصناعية لخدمات الإنترنت الفضائي وشبكات الاستشعار والبنى الحاسوبية المدارية يصبح أكثر صعوبة عندما تُستهلك المراحل الرئيسية للصاروخ في كل رحلة، بينما تتيح إعادة الاستخدام بناء بنية فضائية واسعة وتحويل عمليات الإطلاق إلى نشاط تجاري أكثر استدامة.

فالعدد المشترك للأقمار الموجودة في المدار ضمن مشروعي «غوووانغ» و«تشيانفان» يقل عن 500 قمر، بما يعادل نحو 4% فقط من 11 ألف قمر تضمها كوكبة «ستارلينك»، وفق الأرقام التي أوردتها ساوث تشاينا مورنينغ بوست. وسجلت الصين تقدماً في إثبات قدرتها على استعادة المراحل الصاروخية.

الصين تختبر استعادة معززات الصواريخ أرضياً وبحرياً حرفياً؟

فقد نجحت شركة لاندسبيس في إنزال معزز صاروخ «جوتشويه-3» بصورة عمودية باستخدام أرجل هبوط، في أول عملية استعادة أرضية صينية متحكم بها تُنفذ بهذه الطريقة. ويبرهن الاختبار على القدرة على إعادة المرحلة الصاروخية إلى الأرض بدلاً من فقدانها بعد الإطلاق. واختبرت الصين أيضاً استرداد جزء من صاروخ «لونغ مارش-10 بي» باستخدام نظام شبكة بحرية.

ويُفترض أن تقلل هذه التقنية مستوى الدقة المطلوبة أثناء الهبوط، كما تتجنب إضافة هياكل هبوط ثقيلة إلى الصاروخ وما يرافق ذلك من زيادة في الوزن يمكن أن تؤثر في الحمولة والأداء. غير أن إنزال المعزز على الأرض أو التقاطه في البحر لا يعني تلقائياً إمكان استخدامه في رحلة أخرى.

ويتمثل التحدي التشغيلي في فحص المرحلة المستعادة وتأهيلها وإعادتها إلى الخدمة بسرعة وموثوقية، بما يسمح بتحويل نجاحات الاختبار المنفردة إلى برنامج إطلاق متكرر يخفض التكلفة فعلياً.

وقال داي جنغ، القائد العام لمهمات «جوتشويه-3» في شركة لاندسبيس، إن الصين أجابت عن سؤال يتعلق بقدرة الصاروخ على العودة، لكنها لم تؤسس حتى الآن منظومة ناضجة تحدد ما إذا كان الصاروخ المستعاد يستطيع التحليق مرة أخرى. ويفصل هذا التحدي بين إثبات تقنية الاستعادة والوصول إلى إعادة الاستخدام التجاري المنتظم.

وتتطلب المنظومة المطلوبة تفريغ الوقود المتبقي بصورة آمنة، وفحص البنية والخزانات، وتقييم العمر الافتراضي للمحركات، واستبدال الأجزاء المتضررة، ثم إجراء اختبارات وظيفية كاملة قبل السماح بالرحلة التالية. وتحدد سرعة إنجاز هذه الخطوات وكلفتها مقدار الجدوى الاقتصادية التي يمكن تحقيقها من استرداد الصاروخ.

أكثر من 600
مهمة بمعززات قابلة لإعادة الاستخدام

وتبدو الفجوة مع الولايات المتحدة أوضح عند مقارنة التجارب الصينية بمرحلة التشغيل الروتيني التي بلغتها شركة «سبيس إكس». فقد نفذت الشركة الأميركية أكثر من 600 مهمة باستخدام معززات قابلة لإعادة الاستخدام، بينما وصل أحد معززات «فالكون 9» إلى رحلته السابعة والثلاثين، ما يعكس تراكم خبرة تشغيلية لا يقتصر على مجرد نجاح الاستعادة.

وتشير تقديرات نقلتها ساوث تشاينا مورنينغ بوست إلى أن كلفة بعض خدمات الإطلاق الصينية قد تصل إلى نحو 20 ألف دولار لكل كيلوغرام من الحمولة.

وفي المقابل، تتراوح الكلفة المقدرة لصاروخ «فالكون 9» القابل لإعادة الاستخدام بين 2.7 و3 آلاف دولار لكل كيلوغرام، وهو فارق يمنح الشركة الأميركية أفضلية في جذب المهمات وتنفيذ عمليات إطلاق متكررة.

وفي الجانب العسكري، يتغير مفهوم الردع الفضائي مع انتقال نطاق المنافسة من المدار الأرضي المنخفض إلى المنطقة الواقعة بين الأرض والقمر. ففي المدار القريب من الأرض، ينصب الاهتمام على حماية أقمار الاتصالات والملاحة والاستطلاع والإنذار المبكر، إلى جانب امتلاك وسائل التشويش على خدمات الخصم أو تعطيلها أو حرمانه منها.

أما في الفضاء القمري، فتتسع الحسابات لتشمل خطوط الاتصالات العميقة ومسارات الملاحة ومحطات الاستكشاف والهبوط والبنية اللوجستية اللازمة لدعم النشاط البشري والروبوتي حول القمر وفي مناطق أبعد. ويعني ذلك أن المنافسة قد ترتبط مستقبلاً بحرية الوصول والحركة وحماية المنشآت، وليس فقط ببقاء الأقمار الصناعية العاملة حول الأرض.

ونقلت غلوبال تايمز عن الخبير العسكري الصيني جانغ جوِن شه قوله إن دمج الفضاء القمري في التخطيط العسكري الأميركي يستهدف تأمين أفضلية مبكرة في التنافس المستقبلي على الموارد والتأثير الاستراتيجي حول القمر وفي الفضاء السحيق. ويضع هذا التصور البنية التي قد تُستخدم في الاستكشاف والنشاط التجاري ضمن حسابات النفوذ والردع العسكري أيضاً.

وبموجب هذا التحول، لا يقتصر الردع الفضائي على وسائل قادرة على تدمير الأصول المدارية أو تعطيلها، بل يشمل القدرة على الرصد والمناورة والاتصال وحماية الأصول في المنطقة بين الأرض والقمر. ويمكن لهذه القدرات أن تؤثر في حرية حركة الأطراف الأخرى وإمكان استخدامها المجال القمري ومسارات الوصول إليه.

وتكشف التطورات التقنية والعسكرية عن محدودية قواعد الحوكمة الدولية القائمة. فقد وُضعت المبادئ الأساسية للفضاء عندما كانت الدول هي الفاعل الرئيسي تقريباً، وكانت الأصول المدارية أقل عدداً وتعقيداً.

أما البيئة الحالية فتضم شركات خاصة وكوكبات مكونة من آلاف الأقمار وتقنيات متقدمة للمناورة والاستشعار والاتصال، مع صعوبة متزايدة في التمييز بين وظائفها المدنية والعسكرية.

وحذرت غلوبال تايمز، نقلاً عن جانغ، من أن سرية الأسلحة الفضائية وغموض طبيعة بعض الأنشطة المدارية قد يؤديان إلى تفسير مناورات اعتيادية أو عمليات تقنية باعتبارها أفعالاً عدائية. ومن شأن هذا الغموض أن يزيد احتمالات سوء التقدير والتصعيد، ولا سيما في بيئة تتسارع فيها حركة الأقمار وتتعدد الجهات الحكومية والتجارية المشغلة لها.

ورأت الصحيفة أن نشر قدرات هجومية في المدار بالتوازي مع تطوير منظومات دفاع صاروخي فضائية قد يهدد الاستقرار الاستراتيجي العالمي والمصالح المشتركة للمجتمع الدولي، ويدفع إلى سباق تسلح جديد. ويتضاعف هذا الخطر مع غياب قواعد حديثة توفر شفافية كافية بشأن طبيعة الأنظمة الفضائية ومهماتها وحدود استخدامها.

وتشير المعطيات الصينية إلى أن بكين اقتربت من مرحلة متقدمة في سباق الإطلاق بعدما أثبتت القدرة على استعادة المراحل الأولى بوسائل أرضية وبحرية، لكنها لم تبلغ بعد اقتصاد إعادة الإطلاق الروتيني. وفي المقابل، تحتفظ الشركات الأميركية بأفضلية واضحة في الكلفة ووتيرة المهمات والخبرة المتراكمة في فحص المعززات وإعادتها إلى الخدمة.

ويجعل امتداد الخطاب العسكري إلى الفضاء القمري البنية الفضائية جزءاً متنامياً من معادلات الردع والقوة، بعدما ركزت لسنوات على الاتصالات والملاحة والخدمات المدنية.

وتضع هذه التحولات تحديث قواعد الحوكمة الدولية أمام ضرورة التعامل مع الكوكبات الضخمة والتقنيات مزدوجة الاستخدام والأسلحة المدارية، بما يمنع تحول التفوق في الإطلاق والاتصال والاستشعار إلى سيطرة أحادية على المدار أو المجال المحيط بالقمر.