سجلت أسعار عدة أدوية في السودان زيادات تراوحت بين 30% و35% منتصف يوليو/تموز الماضي، شملت علاجات أمراض القلب والروماتويد والأمراض النفسية، مع تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار الأمريكي، وانعكاس ذلك على تكلفة الأدوية المستوردة والمواد الخام المستخدمة في الإنتاج المحلي.
وقالت الصيدلانية سعاد خالد إن تقلبات سعر الصرف انعكست سريعا على الصيدليات، إذ سجلت أسعار بعض الأدوية زيادات متتالية، بينما أوقفت شركات كثيرة البيع انتظارا لاستقرار الأسعار أو إعادة تسعير مخزونها. وأوضحت أن الصيدلي يحتاج إلى بيع العبوة بسعر يسمح له بشراء الكمية نفسها مجددا بعد ارتفاع أسعار الشركات.
تقلبات الصرف تعيد تشكيل الأسعار
وأوضح مدير الدواء الدائري حافظ أحمد أن المجلس القومي للأدوية والسموم يتولى عملية التسعير وفق الآليات المعتمدة، مع احتساب هامش ربح يقدر بنحو 20% على سعر الدواء من الشركة المصنعة.
وأضاف أحمد أن الإمداد الدوائي يلتزم قائمة الأدوية الأساسية التي تعتمدها وزارة الصحة، والبالغ عددها نحو 600 صنف، مع التركيز على نحو 100 صنف من أدوية الطوارئ والأدوية المنقذة للحياة، مؤكدا وجود وفرة في المخزون داخل صيدليات الدواء الدائري.
وأكد مدير الإدارة العامة للصيدلة بوزارة الصحة نجم الدين مجذوب أن حركة الدولار والعملات الأجنبية تؤثر مباشرة في أسعار الأدوية المستوردة، وبصورة غير مباشرة في تكلفة المواد الخام الداخلة في التصنيع المحلي. وأوضح أن القطاع الخاص يوفر ما بين 70% و80% من السوق الدوائية، ما يجعل قدرته على الحصول على العملات الأجنبية عاملا رئيسيا في استمرار تدفق الأدوية.
8 مصانع تستأنف الإنتاج
تشير تقديرات في قطاع الصناعات الدوائية إلى عودة نحو 8 مصانع إلى العمل من أصل 30 مصنعا توقفت بسبب الحرب في العاصمة الخرطوم، ما زاد اعتماد السوق على الأدوية المستوردة في ظل تقلبات حادة لسعر الصرف.
وقال مجذوب إن 8 مصانع محلية بدأت استئناف الإنتاج، معتبرا أن التوسع في الصناعة الدوائية الوطنية يمكن أن يقلل على المدى الطويل من أثر تقلبات العملات الأجنبية، رغم استمرار اعتماد جزء من الصناعة على المواد الخام المستوردة.
وربط مجذوب التأثير الأكبر لارتفاع الأسعار بمرضى الأمراض المزمنة، مثل السكري وضغط الدم، الذين يتحملون فاتورة دوائية شهرية ثابتة، محذرا من أن زيادة التكلفة قد تدفع بعضهم إلى تقليل الجرعات أو تغيير طريقة تناول العلاج من تلقاء أنفسهم. كما أشار إلى أن ارتفاع أسعار الأدوية الرسمية قد يفتح المجال أمام سوق موازية تعرض أدوية أرخص، مؤكدا تركيز الجهات الرقابية على جودة الأدوية التي تصل إلى المرضى عبر الجهات المرخصة.
زيادة التمويل لحماية البرامج العلاجية
سعى الصندوق القومي للإمدادات الطبية إلى حماية الأدوية والبرامج العلاجية التي تمولها الدولة من أثر تغير سعر الصرف، عبر زيادة المخصصات المطلوبة لتوفير الكميات نفسها. وقال مدير الإدارة العامة للشراء والتعاون في الصندوق محمد إبراهيم إن ارتفاع سعر الصرف يؤدي إلى زيادة مباشرة في التمويل اللازم لشراء الكمية نفسها من الأدوية المخصصة للبرامج القومية.
إذا خصصت الدولة مبلغا وزاد سعر الصرف، لا بد من تعويض هذه الزيادة للحصول على الإمدادات الدوائية ذاتها وبالكميات نفسها
وأضاف إبراهيم أن البرامج القومية الممولة من الدولة توفر الأدوية مجانا عبر المرافق الصحية، وأن المحافظة على الكميات المتاحة تتطلب موازنات مرنة تستوعب تغير تكلفة الاستيراد والنقل والمواد الخام. وربط استمرار توفر هذه الأدوية بقدرة التمويل الحكومي على مواكبة ارتفاع التكلفة، فيما ربط مجذوب استقرار السوق الأوسع بتكامل دور الإمدادات الطبية والقطاع الخاص، وتوفير العملات الأجنبية للمستوردين، إلى جانب التوسع في التصنيع المحلي.
الحرب تضغط على القدرة الشرائية والإنتاج
تأتي زيادات أسعار الأدوية بينما تواجه الأسر تداعيات الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إلى جانب تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر وتراجع القدرة على تحمل تكاليف العلاج. وقال المواطن فيصل عثمان مكي إن ارتفاع أسعار الدواء بالتزامن مع تراجع العملة أصبح من أصعب أعباء المعيشة، موضحا أن تأخير العلاج يصعب على المرضى.
ومنذ أواخر يوليو/تموز الماضي، فرض الجيش سيطرته على مناطق واسعة في شمال كردفان عقب استعادة مدينة بارا ومناطق جبرة الشيخ وأم سيالة، وتأمين الطريق القومي الرابط بين بارا ومدينة أم درمان غربي العاصمة الخرطوم. وتشهد ولايات شمال كردفان وغربها وجنوبها اشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ويشهد السودان منذ أبريل/نيسان 2023 حربا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أسفرت عن عشرات آلاف القتلى ونزوح نحو 13 مليون شخص، وفق تقديرات أممية ودولية.