بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان في لبنان 2.834 مليون ليرة (31.66 دولارا) في 22 سبتمبر/أيلول الجاري، فيما سجلت أسعار المحروقات 17 تعديلا خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، وسط ضغوط متزايدة على دخول السائقين وميزانيات الأسر، وإعلان اتحادات ونقابات قطاع النقل البري إضرابا عاما الأربعاء 30 سبتمبر/أيلول.
ارتفاع الوقود يضغط على دخل السائقين
قال سائق سيارة الأجرة أبو صالح إن ارتفاع أسعار الوقود ترافق مع تراجع عدد الركاب وصعوبة رفع التعرفة بما يغطي مصاريف السيارة. وأضاف أن بعض الركاب يرفضون دفع 300 ألف ليرة (3.35 دولارات) أو 250 ألفا (2.79 دولار) للرحلة، ولا يستطيعون دفع أكثر من 150 ألفا (1.68 دولار) أو 200 ألف ليرة (2.23 دولار).
وأوضح أبو صالح أن السائق قد ينتظر ساعة أو ساعتين قبل العثور على راكب، في وقت تستمر فيه كلفة تشغيل السيارة. وقال: «كنا نملأ الخزان بـ40 أو 50 دولارا، أما اليوم فتكلف تعبئة السيارة نحو 100 دولار»، مشيرا إلى أن دخله في نهاية يوم العمل قد لا يتجاوز أحيانا 5.6 دولارات.
تعمل من أجل تأمين ثمن البنزين فقط
وتكشف هذه الأرقام عن معادلة تضغط على طرفي سوق النقل؛ فالسائق يحتاج إلى تعرفة تغطي الوقود وصيانة السيارة، بينما تحد القدرة الشرائية المتراجعة للركاب من إمكانية تمرير الزيادة كاملة إلى أجرة الرحلة.
تكلفة التنقل تقتطع من ميزانيات الأسر
قال الطالب الجامعي مصطفى إن كلفة رحلته بالحافلة ارتفعت من نحو 100 ألف ليرة إلى 200 ألف، بينما قفزت تكلفة الذهاب والعودة، مع احتساب وسائل النقل الإضافية، من نحو 400 ألف ليرة (4.47 دولارات) إلى قرابة 800 ألف ليرة (8.94 دولارات)، وقد تزيد عند استخدام سيارة أجرة.
وبحساب 22 يوما دراسيا أو عمليا في الشهر، تصل كلفة التنقل البالغة 800 ألف ليرة يوميا (8.94 دولارات) إلى نحو 17.6 مليون ليرة شهريا (نحو 197 دولارا) في حالة مصطفى، الذي تتحمل أسرته مصروف انتقاله اليومي إلى الجامعة.
وقال رئيس اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في لبنان الجنوبي عبد اللطيف الترياقي إن ارتفاع أسعار البنزين والمازوت يضغط على العامل والسائق معا، بينما لا تزال الأجور عاجزة عن مجاراة تكلفة المعيشة. وطالب بمعالجة الضرائب والرسوم المفروضة على المحروقات، ووضع آلية تميز السائق العمومي الذي يعتمد على سيارته مصدرا أساسيا لدخله.
وأضاف الترياقي أن غياب شبكة نقل عام متكاملة ومنتظمة بين المناطق يجعل الأسر والعمال والطلبة والسائقين أكثر تعرضا لارتفاع الوقود، ويحصر خيارات التنقل في السيارة الخاصة أو سيارة الأجرة أو الحافلات محدودة الخطوط أو المشي لمسافات أطول.
الوقود يقلص الأجر الحقيقي ويرفع تكاليف الأعمال
قال الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان إن تكلفة النقل لم تعد مصروفا هامشيا في ميزانية الأسرة، بل أصبحت جزءا من «الأجر الحقيقي»، لأن قياس دخل العامل يرتبط بما يتبقى من راتبه بعد دفع تكلفة الوصول إلى مكان العمل. ومع ثبات الدخل أو ارتفاعه بوتيرة أبطأ من تكلفة الطريق، تتراجع الموارد المتاحة للغذاء والسكن والطاقة وسائر الاحتياجات.
ويمتد أثر ارتفاع الوقود إلى تكلفة نقل المواد الأولية والبضائع وتوزيعها، كما يدخل في تكاليف الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات. ويتوقع البنك الدولي ارتفاع التضخم في لبنان إلى 17.5% في عام 2026، مدفوعا، من بين عوامل أخرى، باضطرابات الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط، إضافة إلى انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% هذا العام نتيجة تجدد الصراع وتداعياته على الطلب المحلي وسلاسل الإمداد.
وحذر أبو سليمان من اختزال التضخم في المحروقات وحدها، مشيرا إلى تداخل عوامل تشمل سعر الصرف وتكلفة الاستيراد والضرائب والرسوم وهوامش القطاعات المختلفة. ورأى أن رفع بدل النقل قد يخفف الضغط عن العامل، وأن ربطه بسعر المحروقات قد يحافظ على قيمته أمام تقلبات الوقود، شرط أن يعكس تكلفة التنقل الفعلية وألا يتحول إلى بديل عن تصحيح الأجور.
إضراب عام للمطالبة بحماية قطاع النقل
أعلنت اتحادات ونقابات قطاع النقل البري إضرابا عاما وتحركا واعتصاما في مختلف الأراضي اللبنانية الأربعاء 30 سبتمبر/أيلول، احتجاجا على ارتفاع أسعار المحروقات، وللمطالبة بحماية القطاع وتنفيذ إجراءات سبق الاتفاق عليها.
ويأتي التحرك وسط ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب، بالتزامن مع بحث العمال وأصحاب العمل والحكومة عن صيغ جديدة للأجور وبدل النقل. وتعكس الأزمة فجوة بين الدخول وتكاليف التنقل، في ظل محدودية النقل العام وانتقال أثر ارتفاع الوقود إلى أسعار السلع والخدمات.