ارتفع عدد الموجودين في السوق الأفرنجي بوسط الخرطوم من ثلاثة أشخاص عند بدء إعادة افتتاحه قبل نحو ثلاثة أشهر إلى نحو مئة شخص، وفق تاجر الأحذية أبو القاسم علي، في وقت يستأنف فيه أصحاب المحال نشاطهم تدريجيا وسط آثار الدمار ونقص الكهرباء وارتفاع تكاليف الصيانة.
عودة تدريجية للنشاط التجاري
يتركز النشاط الحالي في مربعين متقابلين على جانبي شارع الجمهورية، حيث عادت محال للملابس والأحذية والساعات والنظارات إلى العمل، بينما لا تزال معظم المحال في بقية أجزاء السوق مغلقة وتظهر الأضرار على الشارع والواجهات.
كان عثمان قرشي أحمد من أوائل أصحاب المحال العائدين، واستأنف إصلاح الساعات القديمة في متجره، وهي مهنة ورثها عن أبيه وأجداده وبدأ العمل فيها منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره. وقال إن انقطاع الكهرباء وتداعيات الحرب يعرقلان استئناف العمل بالمستوى الذي كان سائدا قبل الحرب.
ويواصل عمر محمد نشاطه من متجر تعرض للقصف، رغم الأضرار التي لحقت به. ويرى أن استعادة السوق لحركته تعتمد على عودة التجار والزبائن واستئناف النشاط في المحال المغلقة.
وقال أبو القاسم علي إن التجار يعملون على توفير محال بديلة والتوسع في المساحات المتاحة، إلا أن ارتفاع تكاليف الصيانة دفع بعضهم إلى عرض بضائعهم على طاولات متنقلة داخل السوق بوصفها خيارا أقل كلفة.
مركز تجاري تاريخي في وسط الخرطوم
كان السوق الأفرنجي من أبرز مناطق النشاط التجاري في العاصمة، واشتهر بتجارة الملابس والأحذية والأقمشة وسلع كان جزء منها يستورد من الخارج. وارتبط اسمه تاريخيا بتجار من الأرمن والأغريق والطليان واليهود، قبل أن تتغير تركيبته وأنشطته التجارية بمرور السنوات.
تمتد منطقة السوق على أجزاء من شارع الجمهورية والشوارع المتفرعة منه، وتضم معالم ومحال قديمة من بينها أتني وسانت جيمس وبابا كوستا. وفي مرحلة ازدهاره، جمع السوق بين النشاط التجاري والمقاهي والتجمعات الاجتماعية والثقافية.
ذاكرة اجتماعية تعود مع الرواد
قال محمد موسى داجو إن السوق ظل لسنوات ملتقى لفنانين ومثقفين ومقصدا للأجانب، إلى جانب نشاطه التجاري، معتبرا أن عودة التجار تتجاوز إعادة فتح المتاجر إلى استعادة الحركة والذكريات المرتبطة بالمكان.
ويرى الباحث الاجتماعي السمؤال ضياء الدين أن الأسواق القديمة قد تتحول إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية للمدينة بفعل العلاقات والذكريات المرتبطة بمبانيها ومهنها وأشخاصها، وأن العودة إليها بعد توقف طويل تعكس رغبة الناس في استعادة علاقتهم بأماكن ارتبطت بحياتهم اليومية.
وعاد منتصر عبد الله إلى السوق بعد غياب نحو ثلاث سنوات، وقال إن الزيارة أعادت إليه ذكرياته القديمة، لكنه فوجئ بحجم الدمار وتغير ملامح بعض المحال والمعالم التي اعتاد رؤيتها.