ارتفعت أسعار القمح إلى أعلى مستوياتها منذ 3 أعوام ونصف العام، وصعدت العقود الآجلة في بورصة شيكاغو بحلول 23 سبتمبر/أيلول بنحو 40% مقارنة بأدنى مستوياتها في يونيو/حزيران، مع تراجع الآمال في عودة صادرات البحر الأسود إلى وتيرتها المعتادة واستمرار الضغوط المناخية وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة.
قفزة في الأسعار وضغوط على فاتورة الغذاء
أظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» ارتفاع أسعار القمح العالمية 2.6% في أغسطس/آب مقارنة بالشهر السابق، لتصبح أعلى بنحو 15% من مستواها قبل عام. كما صعد مؤشر أسعار الحبوب 2.2% خلال الشهر نفسه، مسجلًا أعلى مستوى منذ مايو/أيار 2024.
وتعود القفزة إلى تراكم المخاوف المرتبطة بالمحاصيل والطلب وحركة التجارة، ولا سيما الصادرات المارة عبر البحر الأسود. وقد تزيد القيود على التصدير، أو المخاوف من فرضها، مشتريات المستوردين الاحترازية، بما يرفع الطلب الفوري والمنافسة على الشحنات المتاحة قبل اتضاح حجم أي نقص محتمل.
ورغم ارتفاع الأسعار، لا تشير تقديرات الإنتاج إلى نقص عالمي شامل، إذ تتوقع وزارة الزراعة الأميركية محصولين كبيرين في كندا وأستراليا، مع احتمال تعويض الاتحاد الأوروبي جزءًا من تراجع صادرات البحر الأسود. لكن السوق تظل شديدة الحساسية لأي تعطل جديد في وصول الحبوب إلى المستوردين بالتكلفة والموعد المعتادين.
الحر والجفاف يضغطان على توقعات المحاصيل
أسهم الحر والطقس الجاف في خفض توقعات إنتاج القمح في أجزاء من أوروبا، وفق «فاو»، بينما ضغط الجفاف على المحصول والإمدادات المحلية في الولايات المتحدة. وتتوقع وزارة الزراعة الأميركية هبوط صادرات القمح خلال موسم 2026-2027 إلى أدنى مستوى لها في 3 سنوات.
وسجل متوسط الحرارة العالمية بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب 2026 أعلى مستوى له، بالتساوي مع صيف 2024، وفق خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ. وكان أغسطس/آب 2026 أشد أشهر أغسطس/آب حرارة في السجلات، بمتوسط عالمي بلغ 16.96 درجة مئوية، أي أعلى بـ1.65 درجة من متوسط الشهر في فترة ما قبل الثورة الصناعية.
وفي أوروبا الغربية، سجل صيف 2026 أعلى متوسط حرارة للمنطقة في سجلات كوبرنيكوس. ويزيد تزامن موجات الحر والجفاف في أكثر من منطقة إنتاج مخاطر تراجع قدرة الأسواق على تعويض أي انخفاض في محصول رئيسي.
اضطراب البحر الأسود يرفع تكاليف الشحن
تظل منطقة البحر الأسود مسارًا رئيسيًا لتجارة القمح العالمية بالنظر إلى دور روسيا وأوكرانيا في الإمدادات. وفي سبتمبر/أيلول، عدلت اللجنة المشتركة لتأمين مخاطر الحرب في لندن نطاق المياه المدرجة ضمن مناطق الخطر في البحر الأسود، في خطوة تعكس تصاعد المخاطر المحيطة بحركة السفن والموانئ.
وتضيف مخاطر الحرب أعباء إلى تكلفة التأمين البحري، فيما قد يدفع تعطل الموانئ أو صعوبة استخدام المسارات المعتادة التجار إلى موانئ أبعد ووسائل نقل أعلى تكلفة. وبدأت شركات روسية تهيئة محطات مخصصة سابقًا للأسمدة والفحم وسلع أخرى في موانئ على بحر البلطيق والمنطقة القطبية لتصدير الحبوب بعد اضطراب الشحن عبر البحر الأسود.
وتقدر شركة كبلير تراجع صادرات القمح الروسية إلى نحو مليون طن في سبتمبر/أيلول، مقابل 5 ملايين طن قبل عام، فيما قد تبلغ صادرات أوكرانيا نحو مليون طن، أي نصف مستواها في الشهر نفسه من العام الماضي. وتمثل هذه الأرقام تقديرات للشحنات وليست نتائج نهائية.
الطاقة والأسمدة تضيفان أعباء جديدة
ترتبط تكلفة القمح بأسعار الطاقة والأسمدة، إذ يدخل الغاز الطبيعي في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، ويُستخدم الوقود في تشغيل المعدات الزراعية ونقل المحصول عبر سلسلة الإمداد. وارتفع مؤشر أسعار الأسمدة بأكثر من 12% في الربع الأول من 2026 مقارنة بالربع السابق، وفق البنك الدولي، ووصل في أبريل/نيسان إلى أعلى مستوى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022.
ويتوقع البنك الدولي ارتفاع مؤشر أسعار الأسمدة بأكثر من 30% خلال 2026، مع زيادة أسعار اليوريا بنحو 60%. وقد ترفع هذه الزيادة تكلفة زراعة الهكتار، كما قد تدفع بعض المزارعين إلى خفض استخدام الأسمدة، بما يضغط على إنتاجية الموسم التالي.
وفي الولايات المتحدة، بلغ متوسط سعر بيع الديزل للمستهلكين 6.29 دولارات للجالون في الأسبوع المنتهي في 14 سبتمبر/أيلول، بزيادة تقارب 68% عن مستواه قبل عام. ويمثل الرقم المتوسط العام لسعر الديزل، وليس سعرًا خاصًا بالمزارعين، لكن أثر الوقود يتراكم عبر الزراعة والنقل والتخزين والطحن والتوزيع.
الدول العربية ومصر أمام اختبار الواردات
تواجه الدول العربية المستوردة حساسية أكبر لارتفاع أسعار القمح بسبب ارتباطه بالأمن الغذائي وسياسات دعم الخبز، إلى جانب قيود ندرة المياه وارتفاع الحرارة على زيادة الإنتاج المحلي. وتشير بيانات «فاو» إلى أن 77.5 مليون شخص في الدول العربية عانوا الجوع في 2024، بما يعادل 15.8% من السكان.
وفي مصر، تتوقع «فاو» إنتاج نحو 10 ملايين طن من القمح في 2026، بزيادة تقارب 7% عن المتوسط، مدفوعًا بالتوسع في المساحة المزروعة. وفي المقابل، تتوقع المنظمة وصول احتياجات البلاد من واردات القمح إلى 13.5 مليون طن في موسم 2026-2027.
ووصل إلى الموانئ المصرية نحو 143.9 ألف طن من القمح في النصف الأول من سبتمبر/أيلول 2026، مقابل 876.1 ألف طن في الفترة نفسها قبل عام. وجاءت الشحنات من رومانيا وروسيا وأوكرانيا، فيما قال وزير التموين المصري إن البلاد تتجه إلى تنويع مصادر الشراء، بما يشمل فرنسا وموردين أوروبيين آخرين.
وتظهر تحركات السوق أن تكلفة تأمين القمح لا ترتبط بحجم الإنتاج وحده، بل تشمل أيضًا الطاقة والأسمدة والتأمين البحري وأمن الموانئ وسعر الصرف والسياسات التجارية، ما يزيد الضغوط على الأسر والميزانيات العامة في الدول العربية المعتمدة على الاستيراد.