توقع صندوق النقد الدولي، الجمعة، أن يشهد الاقتصاد اللبناني انكماشًا كبيرًا خلال 2026، في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط والتوترات الأمنية في المنطقة وما نتج منهما من أضرار في النشاط الاقتصادي والبنية التحتية ومستويات المعيشة.
وقال الصندوق إن التضخم في لبنان لا يزال في خانة العشرات، فيما اتسع عجز الحساب الجاري بصورة تعود إلى حد كبير لارتفاع تكاليف الطاقة، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الناتجة من أضرار البنية التحتية والنزوح الداخلي وتراجع مستويات المعيشة.
وتشير أحدث تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اللبناني، بعدما سجل نموًا حقيقيًا بنحو 4.2% في 2025، يتجه إلى الانكماش بنسبة 6.4% خلال 2026 على خلفية تجدد الصراع. كما يتوقع البنك ارتفاع معدل التضخم إلى نحو 17.5% خلال العام الجاري.
مفاوضات الإصلاح والفجوة المالية
جاءت تقديرات صندوق النقد مع اختتام بعثته سلسلة اجتماعات في لبنان استمرت من 15 إلى 18 سبتمبر/أيلول الجاري، ضمن المحادثات المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية والمالية والتحضير للتوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين.
وعُقد الاجتماع الختامي في وزارة المالية بحضور وزير المالية ياسين جابر، ووزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، وممثلين عن رئاستي الجمهورية والحكومة، إلى جانب رئيس بعثة صندوق النقد أرنستو ريغا.
وقال جابر إن المحادثات مع صندوق النقد ركزت بصورة أساسية على تحديد المسار المطلوب لقانون الفجوة المالية، معتبرًا أنه الملف الأبرز في المرحلة الحالية. وأضاف أن معالجة الأزمة المصرفية المستمرة منذ سبع سنوات لم تعد تحتمل مزيدًا من التأخير، وأن العمل يجري مع مجلس النواب لإنجاز القانون بما يسمح ببدء استعادة أموال المودعين وإعادة القطاع المصرفي إلى دوره في تمويل الاقتصاد.
وكانت الحكومة اللبنانية قد أقرت في ديسمبر/كانون الأول 2025 مشروع قانون «الانتظام المالي واستعادة الودائع»، المعروف بقانون الفجوة المالية، بهدف تحديد آلية لمعالجة الخسائر وتوزيعها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين.
وأوضح جابر أن المرحلة الأولى تستهدف التوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين مع صندوق النقد، على غرار الاتفاق الذي أُنجز عام 2022، مضيفًا أن إقرار قانون الفجوة واستكمال الملفات المالية الأخرى قد يمهدان للانتقال إلى اتفاق مالي نهائي مع الصندوق.
استعادة الودائع وإصلاح المصارف
وقال حاكم مصرف لبنان كريم سعيد إن البنك المركزي يواصل العمل على قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، وإن تعديلات إيجابية أُدخلت عليه. وأضاف أن المصرف يدرس إمكان إعادة الودائع بطريقة توازن بين حقوق المودعين والحاجة إلى توفير السيولة للنظام المالي.
وتوقع سعيد أن يكون قد أُعيد إلى المودعين 8.1 مليارات دولار بحلول نهاية 2026، مؤكدًا وجود آلية واضحة لإعادة الأموال، لكنه أشار إلى أن حجم الأزمة وتعقيداتها يتطلبان الالتزام بمبالغ قابلة للتنفيذ فعليًا دون تقديم وعود يتعذر الوفاء بها.
وتعود أزمة الودائع والمصارف اللبنانية إلى الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، وأدى إلى تجميد جزء كبير من أموال المودعين وفرض قيود على عمليات السحب.
الدين العام وموازنة 2027
بلغ الدين العام اللبناني نحو 46.3 مليار دولار حتى نهاية 2024، وفق أحدث رقم رسمي منشور لوزارة المالية. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الدين العام بلغ نحو 139.4% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2025، فيما قدّر البنك الدولي النسبة بنحو 155.2% في العام نفسه ووصف الدين بأنه غير مستدام.
ويأتي بحث الإصلاحات وإعادة هيكلة القطاع المالي في وقت لم تبدأ فيه مفاوضات إعادة هيكلة الدين العام، وسط استمرار الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعاني منها لبنان منذ سنوات.
وبالتوازي مع مفاوضات صندوق النقد، تعمل الحكومة على إعداد موازنة 2027، المقرر إحالتها إلى مجلس النواب في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول المقبل. وقال جابر إنه سيشارك إلى جانب رئيس الحكومة نواف سلام في اجتماعات بواشنطن خلال سبتمبر/أيلول مع رئيسة صندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي، ضمن مساعي لبنان لدفع المفاوضات والتوصل إلى اتفاق مع الصندوق.