أقرت الولايات المتحدة والصين، السبت، خطوات لتهدئة التوتر التجاري عقب قمة استمرت ثلاثة أيام في واشنطن، تضمنت تعهد بكين باستيراد ما لا يقل عن 10 ملايين طن متري من الفحم الأمريكي في 2027، والكمية نفسها في 2028، والعمل نحو رسوم تفضيلية على سلع غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار.
وقال البيت الأبيض إن التعهدات الصينية تشمل شراء الفحم وفتح الأسواق أمام صادرات أمريكية، بينما أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن البلدين اتفقا على تشكيل مجلس تجارة والترتيب لخفض الرسوم الجمركية. وعاد الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى بكين السبت بعد القمة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
تفاهمات تجارية وأسواق جديدة
تشمل السلع المطروحة للرسوم التفضيلية منتجات زراعية ومأكولات بحرية وأخشابا ومستحضرات تجميل وأجهزة طبية أمريكية، إلى جانب سلع استهلاكية صينية تضم الأجهزة المنزلية الصغيرة والألعاب وزينة العطلات ومقاعد الأطفال في السيارات.
وأطلق الطرفان مجموعة عمل بشأن الوصول إلى الأسواق الزراعية ومجلسا للاستثمار. كما طلب ترمب من شي زيادة إنتاج المنتجات النفطية المكررة للمساعدة في استقرار الإمدادات العالمية وتخفيف الضغوط على أسعار الوقود.
تدعم هذه التفاهمات الصادرات الأمريكية من الطاقة والمنتجات الزراعية، وتفتح مسارا لخفض تكلفة بعض الواردات الاستهلاكية. وفي المقابل، تتجنب الصين تصعيدا أكبر في الرسوم على قطاعها التصديري وتحصل على فترة من الاستقرار التجاري.
ضغوط داخلية على الاقتصادين
دخلت بكين المفاوضات وسط تداعيات أزمة عقارية أضعفت ثروة الأسر والإنفاق المحلي، إذ تراجعت أسعار الشقق في الصين بنحو ضعف الانخفاض الذي سجلته أسعار المنازل الأمريكية خلال أزمة 2008، ما أثر في مدخرات الأسر وإيرادات الحكومات المحلية المعتمدة على بيع الأراضي.
وانعكس ضعف الطلب على النشاط في المطاعم ومراكز التسوق ومعارض السيارات، وزاد اعتماد الاقتصاد الصيني على التصدير للحفاظ على النمو. وفي الولايات المتحدة، تتركز الضغوط في ارتفاع تكاليف الطاقة واستمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم وكلفة المعيشة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وتشير أرقام التجارة إلى محدودية أثر الرسوم الأمريكية حتى الآن، إذ تواجه الصين متوسط تعرفة فعليا يبلغ نحو 23%، وهو الأعلى بين الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة، مقابل نحو 7% لبقية العالم، وفقا لتقديرات باركليز.
ورغم الرسوم، يتجه الفائض التجاري الصيني إلى معادلة أو تجاوز المستوى القياسي المسجل العام الماضي عند نحو 1.2 تريليون دولار، بعد إعادة توجيه جانب من التجارة عبر جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، مع استمرار وصول سلع صينية إلى المستهلك الأمريكي من خلال دول ثالثة.
وارتفعت حركة المناولة في الموانئ الصينية 9% في الأسبوع المنتهي في 20 سبتمبر/أيلول الماضي مقارنة بالعام السابق، مسجلة أعلى مستوى على الإطلاق، وفقا لبيانات وزارة النقل الصينية. ويعكس الفائض الكبير اعتماد الشركات الصينية على الأسواق الخارجية لتصريف إنتاج لا يستوعبه الطلب المحلي بالكامل.
المعادن النادرة والرقائق أوراق ضغط
تحتفظ الصين بنفوذ مباشر في سلاسل توريد المعادن النادرة والمغناطيسات المستخدمة في السيارات والإلكترونيات والصناعات الدفاعية. ويرى الخبير الاقتصادي آدم فارار أن الولايات المتحدة ومعظم دول العالم ستظل معتمدة على المغناطيسات الصينية حتى 2030 وما بعده، ما يحد من خيارات واشنطن في أي تصعيد اقتصادي جديد.
في المقابل، تبقي الولايات المتحدة قيودها على وصول الصين إلى أكثر رقائق الذكاء الاصطناعي تطورا. ويعكس ذلك اعتمادا متبادلا غير متوازن، إذ تمتلك بكين نفوذا في المواد الخام والمعادن الإستراتيجية، بينما تملك واشنطن نفوذا في التكنولوجيا المتقدمة والوصول إلى سوق استهلاكية كبيرة.
هدنة قصيرة بانتظار جولة جديدة
قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن التهدئة التجارية ستمدد حتى 10 يناير/كانون الثاني فقط، أي لنحو شهرين، بدلا من فترة الستة أشهر التي كانت مطروحة سابقا، مع تحديد اجتماع جديد بين الزعيمين في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وتتيح المدة اختبار تنفيذ التعهدات ومواصلة التفاوض على القضايا الأكثر تعقيدا، من دون تسوية الاختلالات الأساسية بين الاقتصادين. فالولايات المتحدة لا تزال تعتمد على الصين في المعادن النادرة، بينما يبقى الاقتصاد الصيني معتمدا على الطلب الخارجي، وتستمر القيود الأمريكية على الرقائق المتقدمة.