بلغت عمليات تكرير الخام عالميا 80.9 مليون برميل يوميا في يوليو/تموز الماضي، بزيادة 1.8 مليون برميل يوميا عن يونيو/حزيران، لكنها ظلت أقل بنحو 5 ملايين برميل يوميا عن مستوياتها قبل عام، وفقا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، في مؤشر على اتساع الفجوة بين توافر النفط الخام وقدرة المصافي على تحويله إلى ديزل وبنزين ووقود طائرات.
وتسببت الحرب في إيران والهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا في اضطراب منشآت التكرير ومسارات التصدير، بالتزامن مع انخفاض المخزونات واقتراب المصافي الأمريكية من أقصى طاقتها، ما دفع هوامش تكرير الديزل إلى مستويات قياسية في أوروبا والولايات المتحدة.
تعطل الإمدادات الروسية والشرق أوسطية
قال الرئيس التنفيذي لشركة «فيتول» راسل هاردي، خلال مؤتمر آسيا والمحيط الهادئ للنفط «أبيك» في سنغافورة، إن السوق تفتقد نحو مليوني برميل يوميا من المنتجات الروسية ونحو مليوني برميل أخرى من الشرق الأوسط، محذرا من استمرار استنزاف المخزونات في ظل عدم تشغيل طاقة تكرير كافية لتعويض النقص.
وفي الخليج، الذي صدر نحو 3.3 ملايين برميل يوميا من المنتجات النفطية المكررة خلال عام 2025، تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى توقف قرابة 3 ملايين برميل يوميا من طاقة التكرير بفعل الهجمات وتعطل منافذ تصدير رئيسية.
وتستطيع السعودية والإمارات تحويل جزء من صادرات الخام إلى خطوط أنابيب تنتهي خارج مضيق هرمز، لكن خيارات تجاوز المضيق أمام المنتجات المكررة أقل. وقال خبير الطاقة ممدوح سلامة إن المشكلة في جزء من مصافي الشرق الأوسط لا ترتبط بالضرورة بنقص الخام داخل المنطقة، بل بعدم القدرة على تصدير الإنتاج بصورة طبيعية عبر هرمز، ما يحول اضطراب النقل إلى اختناق في سوق المنتجات العالمية.
وفي روسيا، أدت الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة إلى تعطيل مصافٍ وتقليص عمليات التكرير والصادرات، بالتزامن مع قيود موسكو على صادرات الديزل لحماية السوق المحلية. وبذلك فقدت السوق العالمية اثنين من أهم مصادر المنتجات المكررة، خصوصا الديزل، بينما تواجه المصافي الأخرى حدودا تشغيلية تحول دون تعويض ملايين البراميل المفقودة.
المصافي الأمريكية قرب أقصى طاقتها
لا يمكن تشغيل المصافي بكامل طاقتها بمجرد ارتفاع الأسعار، إذ تخضع هذه المنشآت لحدود تشغيلية وصيانة دورية، كما تختلف قدرتها على معالجة أنواع الخام وإنتاج المشتقات. وقال مسؤول التجارة العالمية في شركة «فيليبس 66» مارك سين، خلال مؤتمر «أبيك»، إن معظم المصافي الأمريكية تعمل بالفعل بأقصى طاقتها تقريبا.
وتقدر إس آند بي غلوبال معدل استخدام المصافي الأمريكية بنحو 98%، ما يحد من قدرة أكبر مركز بديل لإمداد الأسواق الغربية على زيادة الإنتاج إذا تعرضت منشآت أخرى للتعطل.
وانخفضت تجارة المنتجات النفطية المنقولة بحرا بنحو 3.8 ملايين برميل يوميا على أساس سنوي، وفقا لوكالة الطاقة الدولية، رغم ارتفاع الصادرات الأمريكية بنحو 700 ألف برميل يوميا. كما تراجعت صادرات الديزل من روسيا والشرق الأوسط وآسيا مجتمعة بنحو 1.3 مليون برميل يوميا، بما يعادل قرابة 20% من تجارة الديزل العالمية المنقولة بحرا.
وانخفضت صادرات وقود الطائرات من المناطق نفسها بنحو 670 ألف برميل يوميا، بما يعادل 34% من التجارة العالمية، ما يعكس تركز الضغوط على نواتج التقطير الوسطى، وفي مقدمتها الديزل ووقود الطائرات.
المخزونات تتراجع وهوامش الديزل تقفز
هبط إجمالي مخزونات النفط العالمية المرصودة إلى أقل قليلا من 7.9 مليارات برميل بنهاية يوليو/تموز الماضي، بخسارة تراكمية بلغت 410 ملايين برميل منذ بداية الحرب في إيران، وفقا لوكالة الطاقة الدولية، بعدما استخدمت الأسواق المخزونات لتعويض جزء من نقص الإنتاج خلال الأشهر الأولى.
وقدرت إس آند بي غلوبال مخزونات الديزل العالمية بنحو 542 مليون برميل في 21 أغسطس/آب الماضي، بانخفاض 28.5 مليون برميل مقارنة بالعام السابق. وفي الولايات المتحدة، ارتفع مخزون الديزل منخفض الكبريت قليلا إلى 94.18 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 28 أغسطس/آب الماضي، لكنه ظل أقل بنحو 12.2 مليون برميل عن العام السابق وتحت الحد الأدنى لنطاق السنوات الخمس السابقة.
وفي المقابل، سجلت صادرات الديزل الأمريكية مستوى شهريا قياسيا بلغ 54.2 مليون برميل في أغسطس/آب الماضي، مع اتجاه المشترين إلى الولايات المتحدة لتعويض الإمدادات المفقودة من روسيا والشرق الأوسط.
وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن نسب البنزين والديزل ووقود الطائرات وغيرها من المنتجات التي تنتجها المصفاة تتحدد وفق تصميمها وقدرات وحدات المعالجة وأنواع النفط الخام التي تستقبلها. ويمكن تعديل هذه النسب استجابة للأسعار وظروف السوق، لكن المرونة تظل محدودة بالمعدات وتصميم المصفاة ونوعية الخام.
وقفز هامش تكرير الديزل في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي تجاوز 108 دولارات للبرميل خلال الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول، وسجلت أسعار الديزل الأمريكية مستويات قياسية. كما دفعت الأرباح المرتفعة المصافي إلى إعطاء أولوية أكبر لإنتاج الديزل والبنزين ووقود الطائرات على حساب منتجات أخرى، ما نقل جزءا من الضغوط إلى زيت الوقود المستخدم في السفن ومحطات الكهرباء.
الضغوط تمتد إلى النقل والغذاء والتضخم
يعتمد على الديزل جانب كبير من حركة الشاحنات والقطارات ومعدات البناء والتعدين والآلات والمولدات. وفي الزراعة، تستخدم الجرارات والحصادات ومضخات الري وغيرها من المعدات الديزل، ما ينقل ارتفاع تكلفته إلى أسعار الغذاء عبر زيادة تكلفة الإنتاج الزراعي ثم تكلفة نقل المحاصيل والمنتجات إلى الأسواق.
وقال سلامة إن اعتماد الشاحنات والجرارات الزراعية على الديزل يجعل أثر ارتفاع سعره أوسع من زيادة فاتورة الوقود، إذ يمتد إلى تكاليف الإنتاج الصناعي والزراعي ونقل السلع.
وتشير تقديرات سوقية إلى احتمال تسجيل سوق زيت الوقود عجزا بنحو 218 ألف برميل يوميا خلال الربع الثالث، فيما ارتفع سعر زيت الوقود البحري منخفض الكبريت في سنغافورة بنحو 76% منذ اندلاع حرب إيران ليقترب من 825 دولارا للطن في الأول من سبتمبر/أيلول الماضي.
وفي قطاع الطيران، يستخدم وقود الطائرات بدلا من الديزل، لكن المنتجين ينتميان إلى نواتج التقطير الوسطى، ما يجعل إنتاجهما مرتبطا بجزء من قدرات المعالجة نفسها داخل المصافي.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والديزل ووقود الطائرات يزيد التكاليف ويعطل سلاسل الإمداد ويضعف القوة الشرائية، بينما ترفع اضطرابات النقل والتجارة تكلفة وصول السلع إلى الأسواق. وأظهرت دراسة للصندوق أن صدمات أسعار الوقود تنتقل إلى الأسعار المحلية بوتيرة أسرع من صدمات الغذاء.
وتزداد حساسية السوق مع ارتفاع الطلب الموسمي ودخول بعض المصافي فترات الصيانة. وتقدر إس آند بي غلوبال أن الطلب العالمي على الديزل يرتفع عادة بنحو مليوني برميل يوميا بين أغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع موسم حصاد الخريف في أمريكا الشمالية، وبدء الزراعة في أجزاء من أمريكا الجنوبية، واقتراب الشتاء في نصف الكرة الشمالي.
وتبرز أوروبا بين المناطق الأكثر تعرضا للضغوط بسبب اعتمادها على الواردات، بينما تواجه آسيا اضطراب المنتجات القادمة من الشرق الأوسط. وفي أمريكا الجنوبية، فقدت البرازيل الإمدادات الروسية واتجهت إلى الولايات المتحدة، التي وفرت نحو 74% من وارداتها من الديزل خلال أغسطس/آب الماضي.
وقال سلامة إن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والديزل يزيد تكاليف التجارة والإنتاج والغذاء، وقد يضغط على النمو الاقتصادي، بينما يتوقف حجم الأثر على مدة الأزمة واستجابة الطلب والأسعار والسياسات الحكومية.