سجل الريال الإيراني مستوى قياسيا جديدا عند نحو 2.7 مليون ريال مقابل الدولار الواحد، متراجعا بأكثر من 150 ألف ريال مقارنة بمستواه يوم الجمعة الماضي، بينما يحاول البنك المركزي الإيراني الحد من الهبوط عبر ضخ ما يصل إلى ملياري دولار في السوق.
يأتي تحرك البنك المركزي في وقت تواجه فيه طهران صعوبة متزايدة في الحصول على العملة الصعبة، بالتزامن مع تراجع عائدات النفط وحركة التجارة وتقلص تدفقات النقد الأجنبي، ما يحد من قدرة السلطات على دعم الريال.
التضخم يضغط على القوة الشرائية
امتدت تداعيات هبوط الريال إلى أسعار السلع الأساسية والإيجارات، وسط تراجع القوة الشرائية. وتشير المعطيات إلى وصول التضخم إلى نحو 90%، ما يرفع تكلفة الاحتياجات الأساسية بصورة متواصلة.
ومع تآكل قيمة المدخرات بالريال، اتجه مزيد من الإيرانيين إلى الذهب والعملات الأجنبية لحماية مدخراتهم من التضخم وانخفاض قيمة العملة. كما ظهرت انعكاسات الأزمة في سوق العمل، مع لجوء بعض المصانع والورش ومنشآت الإنتاج إلى تسريح موظفين وعمال.
العقوبات وتراجع التجارة يفاقمان الأزمة
تربط السلطات الإيرانية جزءا من الأزمة بتراجع حركة التجارة وشح النقد الأجنبي، بينما يشير مسؤولون إيرانيون إلى تأثير العقوبات الأمريكية في الاقتصاد. وتزداد الضغوط مع استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية والحظر المفروض على الطيران الإيراني، بما يقيد التجارة وتدفقات العملات الأجنبية.
وبعدما توقعت الحكومة الإيرانية نموا اقتصاديا بنحو 8% في موازنتها، تشير المعطيات إلى تراجع معدل النمو إلى مستويات سالبة، في ظل الضغوط الواقعة على التجارة وإيرادات النفط والنشاط الاقتصادي.
الحكومة تبحث إجراءات لوقف التراجع
عقدت الهيئة التنسيقية الاقتصادية في الحكومة الإيرانية اجتماعا برئاسة الرئيس مسعود بزشكيان، وبمشاركة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، لبحث تداعيات انهيار الريال وتراجع حركة التجارة. وتقول طهران إن مواجهة الأزمة تتطلب معالجة نقص العملة الأجنبية واستعادة النشاط الاقتصادي، فيما تترقب الأسواق أي انفراجة محتملة في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
ويرى أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة طهران أشكال بهرامي أن ضخ ملياري دولار قد يساعد البنك المركزي على إبطاء تراجع الريال، لكنه لا يمثل حلا جذريا لأزمة ترتبط بالتضخم وشح السيولة وتراجع الإيرادات النفطية.
وتحمّل السلطات الإيرانية المضاربين وحالة الخوف في الأسواق جزءا من مسؤولية تسارع هبوط الريال، بينما يرى خبراء أن المضاربة أحد أعراض الأزمة، إذ يدفع فقدان الثقة بالعملة المحلية المواطنين إلى تحويل مدخراتهم إلى الذهب أو الدولار أو السلع، ما يزيد الطلب على العملات الأجنبية ويضاعف الضغط على الريال.
حلقة بين تراجع الريال وارتفاع الأسعار
يشكل انخفاض قيمة العملة حلقة متصلة تبدأ بارتفاع تكلفة الواردات والأسعار، ثم تدفع المواطنين إلى التخلص من الريال وزيادة الطلب على الدولار والذهب، ما يفرض ضغوطا إضافية على العملة ويؤدي إلى مزيد من تآكل القوة الشرائية.
ويشير بهرامي إلى اختلاف الظروف الحالية عن عام 2015، حين خلق توقيع الاتفاق النووي توقعات إيجابية انعكست على سعر الريال والأسواق الإيرانية. أما الوضع الراهن فيتسم بارتفاع حالة عدم اليقين في ظل العقوبات والضغوط الخارجية وتراجع الإيرادات النفطية.
ويرى خبراء أن ضخ السيولة أو طباعة مزيد من النقود لن يكون كافيا من دون إنتاج حقيقي وعوائد مستدامة من العملة الصعبة، إذ يتطلب دعم الريال احتياطيات من النقد الأجنبي، فيما تستلزم استعادة الثقة خفض التضخم وزيادة الإنتاج والتدفقات النقدية.