أعاد توظيف رافينيا في عمق هجوم برشلونة، وتسجيله 8 أهداف خلال أول 5 مباريات رسمية من الموسم، الاهتمام بتجارب غيّر فيها المدربون مراكز لاعبيهم، ففتحوا أمامهم أدواراً جديدة أو أعادوا بناء مسيرتهم. وتظهر نماذج من أندية ومنتخبات مختلفة أن نجاح التحول يرتبط بطريقة استخدام مهارات اللاعب وتكيّف زملائه معه، وليس بمجرد نقله على أرض الملعب.
تمنح نقطة الانطلاق الجديدة رافينيا فرصة أكبر للتحرك بين قلبي الدفاع أو التراجع لتسلّم الكرة قبل الانطلاق مجدداً، بدلاً من بدء الهجمة قرب الخط والاضطرار إلى تجاوز منافس للوصول إلى منطقة الخطر. غير أن تقييم التجربة يحتاج إلى قياس استمرار فاعليتها أمام الدفاعات المتكتلة وبعد تكيّف الخصوم مع دوره الجديد.
تحولات هجومية صنعت فارقاً لهنري وبيل
سبق لتييري هنري أن خاض تحولاً مماثلاً بعد انتقاله إلى أرسنال عام 1999، حين نقله المدرب آرسين فينغر من الجناح إلى مركز المهاجم. ولم يسجل هنري في أول سبع مشاركات بالدوري، وفكر في العودة إلى الطرف، لكن فينغر تمسك بالخطة. واحتفظ اللاعب بميله نحو الجهة اليسرى وسرعته في الاختراق، قبل أن ينهي مسيرته مع النادي برصيد 228 هدفاً في 377 مباراة.
وسلك غاريث بيل مساراً هجومياً تدريجياً، إذ بدأ ظهيراً أيسر مع ساوثهامبتون، ثم تقدم إلى الجناح في توتنهام تحت قيادة هاري ريدناب، قبل أن يحصل على حرية أكبر قرب المرمى. وفي موسم 2012-2013 سجل 21 هدفاً في الدوري، بينها 9 أهداف من خارج منطقة الجزاء، بعدما أصبح يقضي وقتاً أكبر في الثلث الهجومي.
ميسي وبيرلو يوسّعان التأثير بأدوار مختلفة
أما بيب غوارديولا فلم يكن يحاول إنقاذ مسيرة ليونيل ميسي عندما وضعه في مركز المهاجم الوهمي، بل سعى إلى توسيع تأثيره في بناء الهجمات وإنهائها. منح الدور ميسي فرصة التراجع أمام قلبي الدفاع واستدراجهما بعيداً عن موقعيهما، بما يفتح المساحات أمام زملائه.
وفي موسم 2011-2012 سجل 73 هدفاً رسمياً لبرشلونة، بينها 50 في الدوري، ضمن حصيلة ارتبطت أيضاً بموهبته ونضجه وقوة الفريق. وعلى عكس التحولات التي قرّبت اللاعبين من المرمى، تراجع أندريا بيرلو من صناعة اللعب المتقدمة إلى موقع أمام الدفاع.
بدأ كارلو ماتسوني التجربة في بريشيا لجمع بيرلو وروبرتو باجيو في التشكيلة، ثم رسخ كارلو أنشيلوتي هذا الدور في ميلان، مع توفير الحماية للاعب عبر وجود غاتوزو وسيدورف إلى جواره. ومن الموقع المتأخر، أصبح بيرلو مسؤولاً عن تحديد اتجاه الهجمات وتوزيع التمريرات. وخاض باستيان شفاينشتايغر تحولاً قريباً عندما نقله لويس فان غال عام 2009 من الطرف إلى وسط بايرن ميونخ.
جويلينتون يتحول إلى لاعب وسط مؤثر
وساعده الموقع المركزي على وصل خطوط الفريق والمشاركة في افتكاك الكرة والتحكم في الإيقاع، قبل أن يسهم في تتويج بايرن بدوري أبطال أوروبا عام 2013 ومنتخب ألمانيا بكأس العالم عام 2014. ويبرز جويلينتون مثالاً على تحول غيّر معيار تقييم اللاعب. ففي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، اضطر مدرب نيوكاسل إيدي هاو إلى إعادته من الهجوم إلى الوسط بعد طرد المدافع سياران كلارك أمام نوريتش.
كان البرازيلي قد سجل هدفين فقط في موسمه الأول بالدوري الإنجليزي بعد انتقاله مقابل 40 مليون جنيه إسترليني، لكنه أصبح في الوسط أكثر اعتماداً على حمل الكرة والالتحام والعمل المتواصل، واختير لاعب العام في نيوكاسل بنهاية موسم 2021-2022. وامتد تغيير المواقع إلى الخطوط الخلفية أيضاً.
تغيير المراكز يعيد تشكيل أدوار المدافعين
فقد صنع فرانز بيكنباور الهجمات من مركز المدافع الحر، مستفيداً من دقة تمريراته وقدرته على التقدم بالكرة، وفاز بالكرة الذهبية عامي 1972 و1976، كما قاد بايرن إلى ثلاثة ألقاب متتالية في كأس أوروبا بين 1974 و1976. وفي بايرن أيضاً، أدت إصابات نيكلاس زوله ولوكاس هيرنانديز في خريف 2019 إلى انتقال ديفيد ألابا لقلب الدفاع، ما فتح موقع الظهير الأيسر أمام ألفونسو ديفيز.
واستفاد ديفيز من خبرته السابقة في المركز ومن مساعدة ألابا، وثبّت مكانه بعدما جمع بين انطلاقاته الهجومية وقدرته على مواجهة الأجنحة السريعة. كما ساعد الانتقال إلى مركز المدافع الحر لوثار ماتيوس على الاستمرار مع تقدمه في العمر، بعدما كان لاعب وسط يعتمد على الافتكاك والانطلاق والتسجيل.
وأتاح له الموقع المتأخر توظيف خبرته في قراءة الهجمات وتنظيم الخروج بالكرة، مع إعادة توزيع الجهد البدني المطلوب منه. وتشير هذه التجارب إلى اختلاف معايير نجاح تغيير المركز؛ فهنري وميرتينز اقتربا من المرمى، بينما تولى بيرلو وشفاينشتايغر مسؤوليات أوسع في صناعة اللعب، وأصبح جويلينتون مؤثراً في الصراعات البدنية واستعادة السيطرة.
وفي جميع الحالات، احتاج التحول إلى تدريب متكرر وفهم لتحركات الزملاء ووقت لبناء الثقة، حتى يتحول الحل الاضطراري أو القرار التكتيكي إلى دور مستقر.