أعاد رحيل 11 مدرباً ورئيس جهاز فني عن أندية الدوري الإنجليزي الممتاز خلال موسم 2025-2026 طرح سؤال يتعلق بالطريقة التي تختار بها الأندية مدربيها: لماذا يُستبعد اللاعبون عادة من مرحلة التعيين، بينما تتحول ثقتهم بالمدرب لاحقاً إلى عامل مؤثر في استمراره أو إقالته؟
كوكس يقترح دوراً استشارياً للاعبين
ويطرح الكاتب والمحلل التكتيكي مايكل كوكس تصوراً يمنح اللاعبين دوراً استشارياً منضبطاً، من دون نقل سلطة القرار إليهم. تأتي إقالة المدرب غالباً في نهاية سلسلة متكررة من التطورات، تبدأ بتراجع النتائج إلى مستوى لا تقبله الإدارة، ثم تتراجع ثقة اللاعبين بالجهاز الفني، قبل أن يعلن النادي أن التغيير بات ضرورياً.
ويُنسب التسارع في تبديل المدربين عادة إلى نفاد صبر الملاك والإدارات، لكن كوكس يرى أن جزءاً من المشكلة قد يبدأ قبل وصول المدرب، وتحديداً عند اتخاذ قرار اختياره من الأساس. وتدور معظم قرارات الإقالة حول سببين رئيسيين: النتائج غير المقبولة، أو فقدان المدرب ثقة غرفة الملابس.
وعندما يكون السبب الثاني هو الأبرز، ينتقل اللوم سريعاً إلى اللاعبين، وتظهر اتهامات لهم بالتخاذل أو تعمد إسقاط المدرب، وكأن موقفهم لا يمكن تفسيره إلا بالرغبة في حماية مصالحهم أو التخلص من جهاز فني لا يناسبهم. غير أن وصف هذه الظاهرة بـ«سلطة اللاعبين» قد يختزل علاقة أكثر تعقيداً.
فاللاعبون هم الذين يطبقون أفكار المدرب كل يوم، ويختبرون مستوى تدريباته، ومدى وضوح تعليماته، وقدرته على قراءة المباريات وإدارة الأفراد والتعامل مع اختلاف شخصياتهم. ولذلك قد يكون فقدان ثقتهم به مؤشراً إلى مشكلات مهنية ظهرت في الملعب ومركز التدريب قبل أن تتمكن الإدارة من رصدها. ويمتلك اللاعب الذي يصل إلى الدوري الإنجليزي الممتاز خبرة طويلة تتجاوز موهبته الفنية.
فمعظم لاعبي الجيل الحالي التحقوا بالأكاديميات في سن مبكرة، وعملوا مع أجهزة فنية متعددة، وتدربوا داخل أنظمة تكتيكية وبدنية مفصلة. ويرى الطرح أن هذه الخبرة يمكن أن تجعل تقييمهم للمدرب مفيداً ضمن عملية الاختيار، حتى إذا احتفظت الإدارة الرياضية والتنفيذية بحق اتخاذ القرار النهائي.
استطلاع يكشف تباين النفوذ داخل الأندية
ولا تتوزع السلطة داخل جميع الأندية بالطريقة نفسها، إذ تختلف موازين النفوذ ولا تعمل فرق كرة القدم وفق هرم إداري موحد. وفي استطلاع أجرته صحيفة «ذا أتلتيك» في يناير/كانون الثاني الماضي، طُلب من مراسليها تحديد الشخصية الأكثر أهمية في كل ناد من أندية الدوري الممتاز، فجاءت الإجابات موزعة بين أطراف عدة داخل المؤسسات الرياضية.
اختار سبعة مراسلين مالك النادي بوصفه الشخصية الأهم، ورشح خمسة منهم المدرب، بينما سمى أربعة أحد اللاعبين، واختار ثلاثة الرئيس التنفيذي أو مسؤولاً يشغل منصباً مماثلاً. وفي ويست هام وقع الاختيار على مسؤول الملابس، وهي إجابة عكست، وفق التحليل، اضطراب الهيكل الداخلي للنادي خلال الموسم الماضي.
ولا تعني الأهمية بالضرورة امتلاك السلطة التنفيذية، إلا أن نتائج الاستطلاع تظهر أن النفوذ داخل الأندية أكثر مرونة مما توحي به المسميات الرسمية. وعلى الرغم من ذلك، يبقى اللاعبون بعيدين في الغالب عن عملية اختيار الشخص الذي سيحدد أدوارهم اليومية، ويؤثر في مشاركاتهم ومستقبلهم المهني داخل الفريق.
ويبرز غموض آلية اتخاذ القرار في مثال تشلسي، إذ قد يعرف المشجع أن النادي عين تشابي ألونسو مدرباً خلال الصيف، لكنه قد لا يعرف من اتخذ القرار فعلياً، أو المعايير التي رجحت المدرب الإسباني، أو أسماء المسؤولين الذين شاركوا في تقييمه. ويُظهر ذلك أن تعيين المدرب، رغم أثره الواسع، يجري غالباً داخل دائرة محدودة.
ويميل الخطاب الشائع إلى تصوير اللاعب باعتباره منشغلاً فقط بمكانه في التشكيلة وشروط عقده، مع أن اللاعبين الكبار يراكمون على مدار مسيرتهم معرفة بأساليب التدريب والعمل التكتيكي وإدارة غرف الملابس. وينتقل عدد منهم بعد الاعتزال إلى التدريب أو الإدارة، مستفيدين من خبرات تكونت خلال سنوات عملهم تحت قيادة أجهزة فنية متعددة.
ولو أن الأندية الكبرى شكلت قبل 10 أو 15 عاماً لجاناً استشارية تضم لاعبين، لكان مانشستر يونايتد قادراً على الاستماع إلى مايكل كاريك ودارين فليتشر، ولضم ليفربول ستيفن جيرارد وجيمي كاراغر إلى دائرة التشاور. وكان أرسنال سيستفيد من رأي ميكيل أرتيتا وبير ميرتساكر، بينما كان بوسع مانشستر سيتي الرجوع إلى فينسنت كومباني وجيمس ميلنر.
ولم يتحول جميع هؤلاء إلى مدربين ناجحين، لكن مساراتهم بعد اللعب تدعم فكرة أن غرفة الملابس تضم أشخاصاً يستطيعون التفكير في احتياجات الفريق والنادي، وليس في مصالحهم المهنية وحدها. وبالمعيار نفسه، يمكن لأرسنال، إذا احتاج مستقبلاً إلى اختيار خليفة لأرتيتا، استشارة مارتن أوديغارد وديكلان رايس وبوكايو ساكا.
ويمكن تطبيق الفكرة أيضاً على اللاعبين الذين أمضوا سنوات طويلة داخل أنديتهم واكتسبوا معرفة بثقافتها وبيئتها، ومنهم لويس دانك في برايتون، وآدم سميث في بورنموث، وجون ماكغين في أستون فيلا، وتوم كيرني في فولهام. ولا يعني الرجوع إليهم منحهم حق تعيين المدرب، بل الاستفادة من خبرتهم عند فحص مدى ملاءمة المرشح للفريق.
ولم يعد إشراك اللاعبين في بعض القرارات الداخلية فكرة غريبة تماماً، إذ تسمح فرق عدة للاعبيها بالمشاركة في اختيار القائد وتشكيل مجموعة القيادة داخل غرفة الملابس. وكان تعيين القائد يُعد سابقاً من صلاحيات المدرب، قبل أن تتبنى أندية نهجاً يتيح للاعبين التصويت، أو يجمع بين رأيهم والقرار الذي يتخذه الجهاز الفني.
آلية مقترحة لاستشارة مجموعة القيادة
وإذا كان النادي يثق بقدرة لاعبيه على اختيار من يمثلهم ويتحدث باسمهم، فمن الممكن أن يمنح مجموعة القيادة دوراً استشارياً عند تعيين المدرب. ويمكن أن تبدأ العملية بإعداد الإدارة قائمة مختصرة بعد دراسة المرشحين، ثم الاستماع إلى مجموعة منتخبة من اللاعبين بشأن أساليبهم وشخصياتهم ومدى انسجامهم مع احتياجات الفريق.
وتسمح هذه الصيغة للمسؤولين بالاحتفاظ بسلطة القرار، مع إضافة معرفة الأشخاص الذين سيعملون مع المدرب بصورة يومية. وقد يكشف اللاعبون جوانب لا تظهر في السجل المهني أو المقابلات الإدارية، مثل قدرة المرشح على توصيل أفكاره، وإقناع المجموعة، والتعامل مع النجوم، وتحويل خططه إلى تدريبات مفهومة وقابلة للتنفيذ.
لكن منح اللاعبين تأثيراً أكبر قد يدفعهم إلى تفضيل أسماء يعرفونها أو سبق لها العمل في النادي. وربما كان لاعبو أرسنال سيؤيدون في عام 2019 عودة زميلهم السابق أرتيتا لخلافة أوناي إيمري. وقد يفضل لاعبو مانشستر يونايتد تعيين كاريك، فيما قد يرحب لاعبو مانشستر سيتي بإنزو ماريسكا، الذي سبق أن عمل ضمن الجهاز الفني للنادي.
وقد يحمي رأي اللاعبين الأندية أيضاً من تعيينات لا يفهم أفراد الفريق منطقها. فعندما اختار مانشستر يونايتد رالف رانغنيك، عبّر كريستيانو رونالدو لاحقاً عن استغرابه من القرار، لأن المدرب الألماني كان يعمل مديراً رياضياً أكثر من عمله مدرباً خلال الفترة التي سبقت وصوله إلى النادي.
في المقابل، ينطوي الميل إلى الأسماء المألوفة على مخاطر واضحة. فلو كان لاعبو أرسنال في منتصف تسعينيات القرن الماضي يملكون تأثيراً واسعاً، لربما استبعدوا أرسين فينغر، الذي لم يكن معروفاً آنذاك في إنجلترا. لكنه أصبح لاحقاً صاحب أطول حقبة تدريبية في تاريخ النادي، وأسهم في تغيير أساليب العمل داخل كرة القدم الإنجليزية.
خبرة فينغر تكشف مخاطر الأسماء المألوفة
ويؤكد مثال فينغر الحاجة إلى الجمع بين خبرة الإدارة ورأي اللاعبين، بدلاً من منح أي طرف سلطة منفردة. فالمسؤولون قد يمتلكون رؤية أوسع للسوق والخطة المالية والمشروع بعيد المدى، في حين يستطيع اللاعبون تقييم الجوانب اليومية والفنية والشخصية التي ستحدد طبيعة علاقة المدرب بالفريق. وتثير مشاركة اللاعبين كذلك معضلة تضارب المصالح.
فقد يعارض اللاعبون المخضرمون مرشحاً يريد تقليص أدوارهم أو إعادة بناء الفريق من دونهم. وقد يفضل لاعب مدرباً يناسب خصائصه وموقعه الحالي، بينما تكون مصلحة النادي مرتبطة بمشروع مختلف يحتاج إلى تغيير طريقة اللعب أو الاعتماد على جيل جديد. وتقدم حقبة جون تيري وفرانك لامبارد وديدييه دروغبا في تشلسي مثالاً على تعقيد نفوذ غرفة الملابس.
فقد حاول مدربون الانتقال إلى جيل جديد، لكنهم اصطدموا بثقل اللاعبين الكبار وغادروا النادي قبل رحيل هؤلاء النجوم. وفي الوقت نفسه، بلغ الفريق نهائي دوري أبطال أوروبا تحت قيادة أفرام غرانت، ثم توج بالبطولة مع روبرتو دي ماتيو. وكان دي ماتيو لاعباً سابقاً في تشلسي، ثم صعد من منصب المساعد لقيادة مجموعة امتلك أبرز لاعبيها نفوذاً كبيراً.
وتوضح التجربة أن غرفة الملابس القوية قد تعرقل بعض مشاريع التغيير، لكنها قد تساعد أيضاً على تحقيق النجاح عندما يعمل اللاعبون مع مدرب قادر على توظيف خبرتهم ونفوذهم لخدمة الفريق. ويبقى تعيين المدرب قراراً رياضياً وتجارياً طويل الأثر، يتطلب دراسة العقود والميزانيات والسجل المهني ومدى توافق المرشح مع استراتيجية النادي.
وهذه ملفات تقع ضمن مسؤوليات الإدارة الرياضية والتنفيذية، بينما يستطيع اللاعبون تقديم معرفة مباشرة بمتطلبات الملعب والتدريب والعلاقات داخل غرفة الملابس. وبناء على ذلك، تقوم الصيغة المقترحة على منح اللاعبين رأياً استشارياً محدداً، تحكمه ضوابط واضحة ويُطلب في مرحلة متقدمة من عملية الاختيار.
وقد يساعد هذا الرأي على اكتشاف مشكلات مرتبطة بشخصية المرشح أو طريقته أو قدرته على إقناع الفريق، من دون أن يتحول إلى حق في التعيين أو الاعتراض على قرار الإدارة. وإذا كان فقدان ثقة اللاعبين سبباً متكرراً لإقالة المدربين، فإن استطلاع رأيهم قبل توقيع العقد قد يمنح الأندية زاوية تقييم إضافية يغفلها الملاك والمسؤولون الرياضيون.
وبدلاً من انتظار انهيار العلاقة ثم اتهام اللاعبين بإسقاط المدرب، يمكن للإدارة الاستماع إليهم مبكراً، مع الاحتفاظ بمسؤوليتها الكاملة عن الاختيار ونتائجه.