بعد ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لا تزال آثار «الحرب على الإرهاب» التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ممتدة في السياسة الخارجية الأمريكية والمنظومة القضائية والخطاب تجاه المسلمين، وسط انتقادات لاستمرار الاعتماد على القوة العسكرية وتعثر محاكمة المتهمين بتدبير الهجمات.
حجم الخسائر البشرية والنزوح بعد الحروب
وتتناول دراسات أكاديمية نقدية تلك الحرب باعتبارها مشروعًا سياسيًا تجاوز ملاحقة التنظيمات المسلحة، وأسهم في تكريس صورة المسلم بوصفه تهديدًا، إلى جانب بناء منظومة عابرة للحدود من المراقبة والتجريم طالت الجاليات المسلمة في الغرب ومناطق الحرب، ومنها أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا.
استمرار الخيار العسكري وتصاعد الإسلاموفوبيا
وفي قراءة لإرث تلك المرحلة، وثّق مراسل الشؤون الدبلوماسية هوارد لافرانشي استمرار اعتماد الولايات المتحدة على الحل العسكري، بالتزامن مع تصاعد الإسلاموفوبيا خلال عهد الرئيس دونالد ترمب. وأشار إلى حظر السفر الذي استهدف في الغالب دولًا ذات غالبية مسلمة، وتصريحات نائب الرئيس جيه دي فانس بشأن مساع مزعومة لمسلمين أمريكيين لفرض حكم الشريعة.
ووصف أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كولومبيا مايكل دويل هذا التوجه بأنه يميل إلى «حملة صليبية» جديدة ذات طابع معادٍ للمسلمين. كما ربط التقرير بين الحرب التي شنها ترمب على إيران وتهديداته بمحو «حضارة إيران» وبين أطروحة «صدام الحضارات» لعالم السياسة الأمريكي صامويل هنتنغتون.
وتقوم أطروحة هنتنغتون على أن صراعات ما بعد الحرب الباردة ستدور بين الحضارات والثقافات والأديان الكبرى، بدلًا من اقتصارها على التنافس بين الدول. وظهرت النظرية بالتزامن مع صعود الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة، وحرب الخليج الأولى، ونشر قوات أمريكية في السعودية.
ونقل التقرير عن الباحث فواز جرجس أن هذه العوامل أسهمت في تحويل الولايات المتحدة إلى العدو الرئيسي في نظر الحركات المسلحة بدلًا من الشيوعية. وحذّر جرجس، وهو خبير في الحركات الجهادية بكلية لندن للاقتصاد، من بقاء تصور الصراع الدائم حاضرًا في الذهنية الأمريكية واستمرار اللجوء إلى القوة العسكرية أداةً أولى لمعالجة الأزمات الدولية.
وقال جرجس، تعليقًا على الحرب ضد إيران التي شنها رئيس تعهد بإنهاء «الحروب الأبدية» في الشرق الأوسط، إنه لم يتخيل عودة الأوضاع إلى مشهد يشبه مرحلة ما بعد هجمات سبتمبر. ولا يحصر الباحثون هذا الإرث في العلاقة مع العالم الإسلامي، إذ يرى دويل أن العالم دخل صراعًا بين القوى الكبرى يشبه «حربًا باردة جديدة».
وبحسب هذه القراءة، يضم الصراع معسكرًا تقوده الصين وروسيا وكوريا الشمالية في مواجهة غرب منقسم، بما يعيد إنتاج منطق المواجهة على أسس جيوسياسية. كما أقر بعض المؤيدين السابقين لحروب ما بعد الهجمات بأنها كانت خطأ، وفق التقرير.
تعثر محاكمة خالد شيخ محمد في غوانتانامو
ويمتد إرث تلك المرحلة إلى ملف محاكمة خالد شيخ محمد والمتهمين معه بتدبير هجمات 11 سبتمبر. فقد كان مقررًا نقل القضية إلى محكمة فدرالية في مانهاتن، لكن إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما تراجعت عام 2009 عن إخراجها من نظام اللجان العسكرية في سجن غوانتانامو، في ظل معارضة داخل الكونغرس ومخاوف أمنية.
ولا يزال المتهمون محتجزين بموجب «قانون الحرب» بعد 25 عامًا، بينما ينظر في القضية قاض عسكري خامس، وتأجلت المحاكمة إلى عام 2028 مع بقاء احتمال عدم انعقادها.
ووصف ديفيد راسكن، المدعي العام السابق المتخصص في قضايا الإرهاب بوزارة العدل الأمريكية، هذا التعثر بأنه ضياع أخلاقي وقانوني مستمر، معتبرًا أن القضاء المدني فقد فرصة لإظهار قدرة القانون الأمريكي على التعامل مع القضية.