العودة للرئيسية
رياضة

أكثر من 200 ناد فلسطيني يعود إلى المنافسات بعد توقف طويل

استأنفت الأندية الفلسطينية المنافسات المنظمة عبر كأس الشهداء الألف بعد توقف دام نحو 3 سنوات، بمشاركة أكثر من 200 ناد في الضفة الغربية وقطاع غزة ومخيمات اللاجئين في لبنان، وسط قيود الحركة وتضرر المنشآت الرياضية والضغوط المالية التي تواجه اللاعبين والأندية.

••6 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
لقطة من مباراة كرة قدم في ملعب مضاء ليلاً، يظهر فيها حارس مرمى يتصدى للكرة أمام المرمى ولاعبون آخرون في الملعب، بينما يتابع الجمهور المباراة من المدرجات.

عادت الأندية الفلسطينية إلى خوض المنافسات المنظمة بعد توقف استمر نحو 3 سنوات، إذ يشارك أكثر من 200 ناد في مباريات تقام في الضفة الغربية وقطاع غزة ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وجاءت العودة عبر كأس الشهداء الألف، التي تحمل اسم 1014 رياضيا قُتلوا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسط استمرار قيود الحركة والأضرار الواسعة التي لحقت بالمنشآت الرياضية.

المباراة الأولى تعيد الجمهور إلى المدرجات

في ملعب الخضر، اجتمعت عائلات وشبان وأطفال لمتابعة مباراة الأرثوذكسي العربي بيت جالا ومركز شباب الدهيشة. وتحت أضواء الكشافات، تبادل الفريقان الهجمات والفرص، بينما تعالت هتافات المشجعين واعتراضاتهم على قرارات الحكم.

ومثلت المباراة أول مشاركة للأندية الفلسطينية في مسابقة منظمة منذ فترة التوقف الطويلة. خلال الاستراحة بين الشوطين، وقع اضطراب خلف الملعب، فنهض عدد من المشجعين لمتابعة ما يحدث. وأثار المشهد قلق سيزار ساراس، لاعب بيت جالا البالغ 20 عاما، الذي قال إنه شعر بالخوف عندما شاهد الجمهور ينهض، وظن أن الجيش الإسرائيلي وصل إلى المكان، بسبب ما يسمعه مرارا عن إطلاق الغاز المسيل للدموع على الملاعب، رغم أنه لم يشهد ذلك بنفسه.

لكن الاضطراب كان ناجما عن خلاف بين بعض المشجعين، وليس مداهمة عسكرية، فعاد الجمهور إلى مقاعده واستؤنفت المباراة. وبالنسبة إلى ريماس سرحان، البالغة 15 عاما والمنحدرة من مخيم عايدة للاجئين، أتاحت الأمسية قدرا من الحياة المعتادة.

الحرب أوقفت كرة القدم الفلسطينية

وقالت لاعبة أكاديمية عايدة الرياضية ومنتخب فلسطين للفئات العمرية إن الحدث يجعلهم يشعرون بأن لديهم شيئا من الحياة الطبيعية مثل الناس في الخارج، ووصفت امتلاء المدرجات بأنه شعور جميل جدا. توقفت كرة القدم الفلسطينية مع اندلاع الحرب على غزة وتصاعد الهجمات في الضفة الغربية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وقال الأمين العام للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم فراس أبو هلال إن الاحتلال الإسرائيلي منع ممارسة اللعبة عبر الحواجز وقيود الحركة والهجمات على المنشآت، فضلا عن اعتقال لاعبين وإداريين. وأضاف أبو هلال أن 90% من الملاعب في قطاع غزة دُمرت، في حين تحولت منشآت رياضية أخرى إلى مواقع نُصبت فيها خيام لإيواء عائلات نازحة.

ووصف العودة بأنها رسالة لإثبات حق الفلسطينيين في الحياة، قائلا: «عدنا لأننا نريد أن نثبت للعالم كله أننا شعب يجب أن يعيش». وعكست سنوات التوقف آثارا مباشرة على جيل من اللاعبين الشباب. وقال ساراس إن اللاعبين كبروا جميعا دفعة واحدة خلال فترة كان يفترض أن تمثل ذروة تطورهم، مضيفا أن تلك السنوات مرت من دون أن يعيشوها رياضيا، في ظل غياب بطولة للدوري وفرص المنافسة المنتظمة.

وخلال الحرب، قُتل مئات الرياضيين، ومن بينهم مهاجم المنتخب الفلسطيني سليمان العبيد، الذي قُتل أثناء انتظاره المساعدات في غزة عام 2025. كما قُتل مدرب المنتخب الأولمبي هاني المصدر عام 2024.

قيود السفر تهدد انتظام كأس الشهداء

وتحمل البطولة الجديدة اسم كأس الشهداء الألف تخليدا لـ1014 رياضيا قُتلوا منذ بدء الحرب والتصعيد في الضفة الغربية. ولا تعني استعادة المباريات انتهاء العوامل التي عطلت النشاط الرياضي. ففي الضفة الغربية، أعاد الاتحاد الفلسطيني توزيع الفرق في مجموعات تراعي القرب الجغرافي، بهدف تقليل الحاجة إلى السفر لمسافات طويلة.

ومع ذلك، ما زالت إمكانية وصول الفرق إلى الملاعب مرتبطة بالحواجز والبوابات العسكرية التي يمكن أن تؤدي إلى تعطيل المباريات. وقال أبو هلال إن كل قرية ومدينة توجد عند مدخلها بوابة حديدية عسكرية، وإن إغلاقها قد يمنع فريقا من الوصول إلى مباراته.

وأكد أن مثل هذه العراقيل قد تفرض تأجيل اللقاءات، لكنها لن تؤدي إلى إلغائها، مشددا على أن المباريات يجب أن تقام وأن اللاعبين يجب أن يواصلوا اللعب. وإلى جانب القيود المرتبطة بالتنقل والوضع الأمني، تواجه الأندية واللاعبون ضغوطا مالية كبيرة.

الأزمة المالية تعرقل مسيرات اللاعبين والأندية‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎

فقد عجزت أندية عن دفع رواتب لاعبيها، ما دفع عددا من المحترفين إلى العودة للمشاركة بصفة هواة. كما وجد رياضيون كثيرون صعوبة في استعادة مسيراتهم بعد قرابة 3 سنوات من دون بطولات أو منافسات منتظمة. وقال محمد الزغيري، لاعب مركز شباب الدهيشة والمدرب في أكاديمية محلية لكرة القدم، إن مسيرات بعض الرياضيين انتهت خلال فترة التوقف.

وأضاف أنه ربما لم يكن ليتمكن من العودة إلى اللعب لو لم يواصل الاعتناء بلياقته من خلال عمله في الأكاديمية واستمراره في التدريب. وكانت مسيرة الزغيري قد تعرضت لعراقيل قبل التوقف الأخير بسنوات. فقد أمضى 8 سنوات ونصف السنة في السجون الإسرائيلية، متنقلا بين عدد من مراكز الاحتجاز.

وفي عام 2015، أطلق جنود النار عليه مرتين في ساقه، ما أدى إلى تحطم إحدى عظامها وإبعاده عن الملاعب مدة عامين. وقال الزغيري إنه كان قد استسلم قبل أن يعود في نهاية المطاف إلى التدريبات. وأكد أن الاستسلام لم يعد خيارا بالنسبة إليه، مضيفا: «نريد أن نقاوم، ونريد أن نعيش، ونريد أن نتمسك بالأمل».

265
منشأة رياضية تضررت أو دُمرت في غزة

وتقام المباريات المستأنفة في أنحاء فلسطين على ملاعب تعرض بعضها لهجمات خلال السنوات الثلاث الماضية. ويقول الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم إن الهجمات الإسرائيلية ألحقت أضرارا بـ265 منشأة رياضية أو دمرتها في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. ووصف الاتحاد استهداف البنية الرياضية وسياسة تدميرها بأنها «إبادة رياضية».

وتمتد المخاطر التي تواجه منشآت كرة القدم إلى الضفة الغربية. ففي مخيم عايدة للاجئين بمدينة بيت لحم، تجري أكاديمية عايدة الرياضية تدريباتها إلى جوار جدار الفصل الإسرائيلي المحاط بأبراج للمراقبة. ويقول سكان المخيم إن المنطقة تتعرض لمداهمات عسكرية متكررة، وهو ما ينعكس على اللاعبين وتدريباتهم.

وقال لاعب في العشرين من عمره، استخدم اسم كريم وطلب حجب اسمه الحقيقي تجنبا للمشكلات عند الحواجز، إن هذه الظروف تؤثر في الحالة النفسية للاعبين. ويستعد كريم للمشاركة في كأس الشهداء الألف، بينما يواجه الملعب الذي يتدرب فيه خطر الهدم بموجب أمر إسرائيلي صدر أواخر عام 2025.

وجرى تجميد أمر هدم ملعب الأكاديمية عقب حملة دولية شاركت فيها هيئات كروية، من بينها الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» والاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا». غير أن مركز شباب عايدة قال إنه لم يتلق تأكيدا رسميا بانتهاء التهديد الذي يواجه الملعب. ووصف كريم الملعب بأنه مساحة يستطيع اللاعبون التنفس فيها، وقال إن صدور أمر الهدم كان صادما، لأنهم لم يتخيلوا أن يواجه المكان ذلك المصير.

ويعد الملعب واحدا من المساحات المفتوحة القليلة داخل المخيم المكتظ، كما يوفر للأطفال موقعا للركض واللعب، وأصبح مكانا تمارس فيه الفتيات كرة القدم. ومن بين اللاعبات فاطمة لطفي، البالغة 15 عاما، والتي تتدرب مع أكاديمية عايدة. وقالت إنها كسرت القاعدة التي تزعم أن كرة القدم ليست للفتيات، في إشارة إلى المساحة التي أتاحها الملعب لهن لممارسة اللعبة داخل المخيم.

وأكد الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم أنه سيواصل تنظيم المنافسات رغم القيود المالية وصعوبات التنقل والمخاطر التي تواجه الملاعب. وقال أبو هلال إن كأس الشهداء الألف ستتحول إلى بطولة سنوية، بما يضمن استمرارها بعد نسختها الحالية وعدم اقتصارها على عودة مؤقتة للنشاط.

وفي ملعب الخضر، ربط ساراس استمرار كرة القدم بقدرة اللاعبين على الاحتفاظ بأحلامهم ومصدر للأمل.

وقال إن هناك أشخاصا تتوقف حياتهم على قدرتهم على تحقيق حلم يمنحهم الأمل، مضيفا أن اللاعبين الفلسطينيين حُرموا من ذلك خلال سنوات التوقف، لكنهم ما زالوا موجودين، و«لسنا مجرد رقم».