حقق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال العام الماضي أكثر من ملياري دولار، مقارنة براتبه الرئاسي البالغ 400 ألف دولار، فيما قال أستاذ القانون بجامعة هارفارد جاك غولدسميث إن تشابك أعمال الرئيس ومصالحه المالية يجعل الفصل بين القرار السياسي والمنفعة الخاصة أكثر صعوبة.
وناقش الكاتب كريستوفر كالدويل مع غولدسميث مصادر نمو ثروة ترمب خلال ولايته الثانية، وما تثيره من إشكالات قانونية ودستورية وأخلاقية. ورأى غولدسميث أن الحالة استثنائية في التاريخ الأمريكي، إذ كان الرؤساء الأثرياء سابقا يفصلون عادة بين مصالحهم المالية وممارسة السلطة.
العملات المشفرة والأموال الأجنبية
يحتفظ ترمب بشبكة واسعة ومتشابكة من الشركات والأعمال داخل الولايات المتحدة وخارجها، ويبرز قطاع العملات المشفرة بوصفه المصدر الجديد والأكثر إثارة للجدل في ثروته. وأظهر إفصاح ترمب لعام 2025 نحو 1.4 مليار دولار مرتبطة بالعملات المشفرة، إلى جانب استثمارات ضخمة من جهات مرتبطة بدول أجنبية، من دون أن تحدد المادة قيمتها أو أسماء تلك الجهات والدول.
وقال غولدسميث إن الإشكال لا يتعلق بمجرد تحقيق الرئيس أرباحا، بل بإمكان تزامن تدفقات مالية من جهات أجنبية مع قرارات سياسية وأمنية تخص الدول نفسها. وأضاف أن إثبات رشوة مباشرة أو صفقة «مقابل خدمة» ليس متاحا بسهولة، لكنه رأى أن حجم التعاملات وتشابكها يبرران القلق والتحقيق.
الإطار الدستوري وحدود التجريم
يستند النقاش القانوني إلى بند المخصصات الأجنبية في الدستور الأمريكي، الذي يمنع المسؤولين الفدراليين من تلقي منافع مالية من دول أجنبية من دون موافقة الكونغرس. غير أن الإشكال يتمثل في تحديد ما إذا كانت الأموال التي تحصل عليها شركات خاصة مرتبطة بالرئيس تندرج ضمن تعريف «المخصصات» الدستورية.
وفي ما يتعلق بإمكان إصدار الرئيس عفوا عن نفسه، قال غولدسميث إن الدستور لا يقدم إجابة واضحة، لكنه عد المسألة أقل إلحاحا من غياب الوضوح بشأن ما إذا كان سلوك ترمب المالي يشكل أصلا جريمة جنائية تستوجب عفوا رئاسيا. ولم يقدم النقاش دليلا قاطعا على ارتكاب ترمب جريمة رشوة أو خرقا دستوريا محددا.
استخدام السلطة ضد الخصوم
وسع غولدسميث، الذي عمل سابقا في وزارة العدل، نطاق النقاش ليميز بين «حكم اللصوص» و«تسليح الحكومة». ورأى أن إدارة ترمب استخدمت أدوات السلطة التنفيذية لمساعدة الأصدقاء ومعاقبة الخصوم، بما قد يترك آثارا مؤسسية أعمق من قضية تضارب المصالح.
وفي المقابل، قال غولدسميث إن لدى الجمهوريين أسبابا حقيقية للشكوى من استخدام مؤسسات الحكومة قبل وصول ترمب إلى السلطة، مشيرا إلى التحقيقات والملاحقات القضائية التي استهدفته، وبعضها اتسم بحساسية سياسية شديدة. لكنه رأى أن ذلك لا يبرر ممارسات الإدارة الحالية، محذرا من حلقة انتقام متبادل يستخدم فيها كل حزب أدوات الحكومة ضد منافسه.
دعوات إلى إعادة بناء القواعد القانونية
قال غولدسميث إن الولايات المتحدة كانت محظوظة نسبيا في تعامل رؤسائها مع المال، رغم فضائح من بينها فضيحة «تيبوت» في عهد وارن هاردينغ. وبعد فضيحة ووترغيت في السبعينيات، سن الكونغرس قوانين للرقابة، ونشأت أعراف سياسية وأخلاقية التزم بها الرؤساء لعقود.
ورأى غولدسميث أن ترمب أضعف هذه الأعراف في ولايته الثانية بدرجة غير مسبوقة، بعدما أدرك أن المؤسسات لم تعاقبه بفاعلية خلال ولايته الأولى. واقترح أن يحدد الكونغرس مفهوم «المنافع الأجنبية» بصورة أوضح، وأن ينشئ آليات تسمح بمقاضاة المسؤولين عند خرق القواعد، مع تشديد الضوابط المتعلقة بالمصالح المالية للرئيس.
وخلص غولدسميث إلى أن القضية ديمقراطية وليست قانونية فقط، وأن الناخبين الأمريكيين سيحددون في انتخابات التجديد النصفي وانتخابات 2028 موقفهم من العلاقة بين السلطة والمال. وحذر من تحول استخدام الحكومة ضد الخصوم إلى قاعدة يتبناها الحزبان، بما يفاقم الانتقام السياسي ويصعب استعادة الثقة في المؤسسات.